آخر تحديث: 30 / 3 / 2020م - 10:34 م  بتوقيت مكة المكرمة

مجتمع المؤسسات المنعشة 4

بدر شبيب الشبيب *

في قريتي ساحة مفتوحة تسمى «عريش السمك»، لأنها في الأصل كانت موقعا لبيع الأسماك المحلية. ولا أدري من أين جاء المضاف أي «عريش» فأنا ما رأيت فيها عريشا قط، ولم أسأل أحدا من المصادر التاريخية الباقية عن ذلك. وربما يرحلون إلى جوار ربهم ومعهم جزء كبير من التاريخ الذي ظل في صدورهم لم يستنسخ منه شيء. هكذا أهملنا كتابة تاريخ منطقتنا لزمن طويل، فذهب منه الكثير، كما ضاع الكثير من التراث أيضا.

عندما أقول ساحة مفتوحة، فلا أقصد أنها في مثل ساحة أو ميدان الطرف الأغر Trafalgar Square في العاصمة البريطانية لندن، بل هي ساحة صغيرة جدا في المساحة، لكنها أوسع صدرا من كثير من الساحات أو الميادين.

«عريش السمك» هذا تحول مع مرور الوقت إلى مكان لتجمع ما يمكن أن نسميهم «المحاربين القدامى»، أي كبار السن ممن لا عمل لهم. في عصر كل يوم يتجمع كبار السن، أو «الشياب»، في تلك الساحة، وتبدأ ثرثرتهم فوق النيل، أعني «سوالفهم» العفوية حول كل شيء، ومشاجراتهم التلقائية على أي شيء. قد يتخاصمون، ولكنهم يعودون في اليوم التالي كأن شيئا لم يكن «صافي يا لبن». للعلم فإن «ثرثرة فوق النيل» هو اسم إحدى روايات الروائي المصري المشهور نجيب محفوظ الذي حاز على جائزة نوبل للآداب.

اليوم في مجتمعنا شريحة كبيرة من المتقاعدين تقاعدا إجباريا لبلوغهم سن التقاعد الإلزامي، أي الستين، أو اختياريا في حالات التقاعد المبكر، وهم الأكثر. هؤلاء يمثلون طاقات هائلة يمكن استثمارها لإنعاش المؤسسات الاجتماعية القائمة أو لتأسيس مؤسسات جديدة منعشة، وذلك لما يمتلكون من خبرات إدارية وفنية وتقنية طويلة في مجالات مختلفة وفي شؤون الحياة تجعلهم منعشين حقا، أي ممن ينطبق عليهم مصطلح «منعش» الذي شرحناه في مقال سابق، والقائم على مواصفات «الناصح العالم الشفيق المجرب». فليس من الصحيح أن يستمر المتقاعدون الجدد على نفس الطريقة «العريش سمكية»، خصوصا أن كثيرا منهم من أصحاب الشهادات والمراكز الوظيفية المرموقة، والذين يمكنهم المساهمة بشكل كبير في تنمية مجتمعهم. هذه المساهمة ضرورية للمجتمع وللمتقاعدين أنفسهم، حيث تستثمر أوقات فراغهم، وتبقيهم في دائرة المنتجين الفاعلين، وتحفظ لهم مكانتهم الاجتماعية اللائقة، بدلا من العيش على هامش الحياة.

وهذا ما يفعله الكثير من المتقاعدين في المجتمعات المتقدمة. تذكر إحدى الدراسات النماذج التالية من الاستفادة من خبرات المتقاعدين في بعض الدول «نذكرها باختصار»:

- هيئة الخبراء المسنين: وهي هيئة ألمانية مقرها مدينة بون، تضم أكثر من 5000 خبير ألماني من المتقاعدين، ويعمل الخبراء مجاناً في هذه الهيئة ذات الصالح العام.

- جامعة المتقاعدين: تقع في مدينة «كاكوجاد» في اليابان، وقد أنشئت في عام 1969م، وأول شروط الانتساب لها أن يكون الشخص قد تجاوز سن الستين عاما، ومدة الدراسة فيها أربع سنوات، يتضمن منهاجها الثقافة العامة - الدراسات العلمية - ومحاضرات في علم النفس، واتجاهات الاقتصاد الياباني، والفارق بين الفكر الغربي والفلسفة اليابانية القديمة والحديثة. أما البرنامج العملي، فيتضمن فلاحة البساتين، وطرق تربية الأسماك، والطيور، وصناعة الأواني الفخارية، والكثير من الحرف اليدوية الأخرى.

- تنظيم الأرشيف الوطني: وهو برنامج تنظمه جمعية المتقاعدين الأمريكية، حيث أن هؤلاء المتقاعدين أكثر دراية وخبرة في مثل هذا العمل، وشكلت فرق متكاملة تبنتها الجمعية عن توثيق تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية في مختلف جوانب الحياة، اجتماعيا، واقتصاديا، وثقافيا، وسياسيا.

- جمعية المتطوعين المتقاعدين: وتعمل هذه الجمعية على مساعدة الأشخاص من سن الخامسة والخمسين وأكثر على إيجاد فرص عمل لخدمة المجتمع المحلي والاستفادة من خبراتهم المهنية. ويعمل الأعضاء كل حسب طاقته واهتمامه ميوله، وتتراوح ساعات العمل لديهم من بضع ساعات إلى أربعين ساعة أسبوعياً.

- برنامج المرافق الكبير: ويقوم هذا البرنامج على خلق مجموعات صغيرة ممن بلغوا سن الستين عاما فما فوق، هدفها بناء علاقات صداقة إنسانية للمسنين المقعدين ومساعدتهم.

وهناك بالطبع البرامج الكثيرة جدا والشاملة لمختلف النشاطات من تدريب واستشارة وإرشاد وإغاثة وغيرها. وفي الولايات المتحدة وحدها أكثر من 500 جمعية لرعاية المتقاعدين واستثمار مهاراتهم وخبراتهم. فأين نحن من هذا؟ أترك الجواب للمتقاعدين المنعشين.