آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 8:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

غرباءُ في الذاكرة

من عاصرَ الجيلَ الذي ولدتُ فيه مرَّ عليه غرباءُ كثيرون، يومَ لم يكن في المدارسِ والمستشفيات وفي كثيرٍ من نواحي الحياة إلا قلة يعملونَ من أهلِ البلد والباقي غرباء من بلادِ العربِ وغيرها، علمونا وطببونا وبنوا مساكننا، وحفروا في ذاكرتنا ذكرى أناسٍ عاشوا معنا كنا نعدهم آباءً وأصدقاء، يهمهم مستقبلنا ونجاحنا. تعلموا اللهجةَ والعادات وثقافةَ البلد التي استحالت موطنهم الثاني لعشراتِ السنين حتى أن بعضهم ماتَ فيها ولم يعد لمسقطِ رأسه، غرباء عرفنا بعضهم بعدما كبرنا وعملنا معهم، تعلمنا منهم وعلمناهمْ. غرباء كنا نراهم وهم في ريعانِ الصبا، والآن يطوف في خاطري أسئلةٌ كثيرة: رباهُ هل كبروا، أم هل ماتوا، أين شطَّ بهم النوى وهل نلتقي بعضهم يوماً لنجددَ الذكرى ونقول شكراً لمن علمنا حرفاً، وشكراً لمن طببنا، وشكراً لمن رصَّ الطوبَ في منازلنا؟

يدق أبوابَ ذاكرتي مدرسٌ وطبيبٌ سكنا في جزيرتنا الحالمة على ضفافِ البحر في ستيناتِ القرن الماضي. تركت المدرسةَ في الصفِّ الثاني وكدت ألاَّ أعود لها، ولكن الأستاذ الغريب ”صادق“ كلما رآني ألعب في الشارع استوقفني وسألني متى أعود؟ ولم يترك الأستاذ أن يطرقَ الباب ويطلب من أهلي أن أعودَ للمدرسة. لا مهربَ من السؤالِ في اليومِ التالي إذ لم يكن في الجزيرةِ الصغيرة أماكن للاختباء، فلا بد أن نلتقي. ماذا كنتُ لو لم أعد للمدرسة؟

والثاني طبيبُ البلد الوحيد، الشاب الممتلئ الجسم، الذي سكن قريباً منا. كم مرةٍ تلصصنَا على النشراتِ الطبية التي كانت تصله في سوقِ البلد ونحن ننتظر الحافلةَ تقلنا كلَّ صباحٍ للمدرسةِ الثانوية في القطيف. لم نفهم الكثيرَ من النشراتِ سوى تصفح الصور الملونة عن الأمراض والمرضى. كان الطبيب ”عبد الحق ابراهيم الغلاييني“ المولود في غزة، لا يخرج للاستدعاءِ خارجَ المنزل الصغير حتى أنه رفضَ إسعاف أخي صباح يوم جمعة في شهر شعبان ومات، لكنه كتبَ شهادةَ الوفاة في العيادة. مرةً أخرى عالج الطبيبُ ضيوفاً حلوا بدارنا عندما أصيب أحدهم فجراً بآلام حصوةٍ في الكلى. مات الطبيبُ السبعيني في عَمَّان شهر سبتمبر عام 2014م بعدما ترك كثيراً من الذكرى والصداقاتِ للطبيبِ الأوحد في الجزيرةِ التي امتلأت اليومَ بالأطباء والمدرسين والعاملينَ من أهلها.

من المحتمل أنه لن تنتفيَ أسبابُ سعي البشر نحو حياةٍ أرغد، ولن يأتي يومٌ لن يكون في أيِّ بلدٍ غرباء ما بقي في حاجةِ الناس ورغباتهم العيش أينما ظنوا أن الأرضَ بعيداً عن أرضهم أكثر اخضراراً. لكن طبيعة الحياة تحتم أن كلَّ غريبٍ يعود لداره ووطنه يوماً ما بعد أن كان جزءً من تاريخِ ونهضة البلد الذي عاش فيها. هكذا هي الحياة لا نعرفُ جمالَ الشمس والناس إلا إذا غربت وغابوا...

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
كمال بن علي آل محسن
[ القطيف ]: 15 / 6 / 2019م - 3:02 ص
فكرة المقال رائعة جدا ...
بورك قلمك !
مستشار أعلى هندسة بترول