آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 2:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

مراجعات مرحلة «الصحوة»

جعفر الشايب * صحيفة الرأي السعودي

بعيدًا عن الاختلاف فيما يطلق على المرحلة التي ساد فيها التوجه الديني في المجتمع ونشطت الحركات «الإسلاموية» سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا في المجتمعات العربية والإسلامية، فقد انتشرت في الفترة القريبة الماضية مبادرات وبرامج حوارية وفنية متلفزة، تتناول هذه المرحلة وتأثيرها في المجتمع، مما خلق جدلًا واسعًا كردود أفعال حول هذه البرامج المكثفة والمتنوعة، خاصة وأنها ركزت على إدانة المرحلة الماضية واعتذار بعض رموزها وعناصرها عن مشاركتهم في مختلف الأنشطة والبرامج، سواء كانت «الناعمة» كالثقافة والتوعية والسياسة، أو الصلبة كحمل السلاح ومواجهة الأنظمة وتدريب العناصر.

لا شك أن هذا النوع من المراجعة مهم ومفيد للمجتمع بشكل عام، ولكني وجدت فيه تسطيحًا للقضية وعدم دراسة تلك المرحلة بعمق وجدية، بما يؤدي إلى استخلاص نتائج تفيد المجتمع وتمنع حدوث تكرار بروز مثل هذه الظواهر لاحقًا أو بالصورة التي لا تسبب في تمترس القوى الاجتماعية واستقطابها واصطفافها ضد بعضها البعض، بما يعيق نمو وتقدم وتطور المجتمع.

لا يمكن أخذ التحول الذي حدث في مجتمعنا، والذي كان قد بدأ بهدف تعميق الحالة الدينية في المجتمع، وانتهى به الحال لأن يتشكل كجماعات متشددة، دون النظر إلى الظرف السياسي والاجتماعي والثقافي العام الذي ساد في المنطقة كلها، وتأثرت به المجتمعات العربية والإسلامية، ونشأت في أغلبها حركات سياسية واجتماعية تتفاوت حالة التشدد والانفتاح فيها، حسب الظرف الذي عملت به وأحاط بها.

من المهم دراسة الواقع الاجتماعي والظرف السياسي، الذي هيأ لهذه الجماعات النمو المضطرد والمتسارع، وتمكنها من الهيمنة على مفاصل المجتمع والتحكم فيه، وتوجيه الفكر والثقافة والإعلام باتجاه أهدافها وأغراضها، وتوفر الإمكانيات التي ساهمت لها بالتمكن والانتشار.

والأهم من ذلك كله دراسة قابلية أفراد المجتمع للاستجابة لهذه التوجهات، التي كانت تخالف الحالة السائدة لديهم من انفتاح وتفاهم وتسامح وانسجام مع أنظمتهم إلى حالة من النفور والحدية والتشدد.

ينبغي أن تطرح العديد من الأسئلة حول مختلف أبعاد نمو وتطور هذه الجماعات وأسباب قوتها وتأثيرها، وغياب وانعدام وضعف المقاومة لها من قبل القوى الاجتماعية المختلفة، وهذا يتطلب حوارات مفتوحة وصريحة وأبحاثًا أكاديمية جادة يكون هدفها الأول والأخير هو معرفة مكامن الخلل والضعف والبحث عن خلاصات تفيد المجتمعات والدول، في عدم تكرار هذه الحالة مستقبلا، فالكل يشعر بأنها سببت في هدر طاقات وثروات كبيرة وطائلة لإصلاح ما فسد بسببها، وأخرت تقدم المجتمع لمواكبة ما يحققه العالم من إنجازات كبرى ولتحقيق التعايش الأمثل مع الحضارات والثقافات المختلفة فيه.