آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 5:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

بين خل الزمانِ وخمره

تباًّ لهذا الحر لا ينكفئ، تباًّ لهذا الجمرِ لا ينطفئ. كان في الماضي جميل، فوقَ سطحِ مسكننَا القديم، تتشاطر الساعاتُ أمي تَرَوَّحُ هذا ثم ذاكَ حتى ننام. تُغفى وتستيقظ، تَرَوَّحُ هذا وذاك حتى يطلعَ الفجر. كل ذاك السكونُ انتهى، كبرتُ وماتت العطبولُ أمي وغرقتُ في بحرِ الشجون، هل تهف الريحُ عودتها؟ أم هل مضى ذاك الزمانُ ولن يعودَ ولن تعود!

لدي صديقٌ قلما يسمع ويرى أخبارَ العالمِ في التلفازِ أو المذياع أو غيرهما من وسائطِ النقل، وكلما سألته لم لا يهتم بها؟ كان جوابه: ”إن كانت الأخبارُ جيدةً لكنها وصلت متأخرةً فلن يضرها أن تَختمرَ في الطريقِ قبل أن تصلَ وتزدادَ طلاوة، بينما أنا أزداد لها شوقاً. وإن كانت الأخبارُ سيئةً وفي الأغلبِ هكذا تكون الأخبار فهي حتماً ستصلني في سرعةِ النارِ التي تشتعل في حرارةِ حزيران وتموز وآب. إن لم تنقلها أنتَ فسوف ينقلها غيرك.“ ليس بعيداً عما يقوله صديقي ما يقول المثلُ الإنجليزي ”تستطيع كذبةٌ أن تطوفَ نصفَ العالمِ قبل أن ينتعلَ الصدقُ حذاءه“. حيث الصدقُ والأخبارُ السعيدة متحدان ولا يعملان إلا بطاقتهمَا وحركتهما الذاتية وليس بدفعِ طاقة التلفاز والمذياع والناس الكاذبة.

يراودني حلمٌ منذ أن كنت شاباً أن يأتيَ يومٌ يأبى المذياعُ والتلفاز أن ينقلَ الأحداثَ والأخبارَ السيئةَ ولا ينقل إلا أخبارَ الوظائف الشاغرة والأسعار المغرية والابتكاراتِ المبدعة وأدويةَ الأمراضِ المستعصية والصداقاتِ المخلصة، وأينَ تمطر ومتى نزرع. أن كنتَ تعتقد أن هذا غير ممكن فليس عليك إلا إغلاقَ وسائط نقل الأخبار ومسح كلما يصلك من الأخبارِ السيئة والكاذبة. في عقولنا دون أن نشعر نتفاعل مع الأخبارِ يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر حيث الآن تأتينا الأخبارُ بالصوتِ والصورة وكأننا في وسطها ويسأل عقلنا هل ممكن أن نكون أحدَ الضحايا والأرقام في حدثٍ من الأحداث تنقله الأخبار؟ لم لا ومن يدري! وبعد هذا السؤال يصيبنا الضجرُ والألمُ دون أن نشعر.

في الواقع لا يمكننا الاعتزال عن رؤيةِ المشاهد والأخبار التي تلهب أحاسيسنا، لكنه يمكننا سماعها مرةً واحدةً في اليوم، أو قراءتها دون رؤيتها. لن نصلح العالم ولن نستطيع إيقاف موجاتِ الصوت والصورة وعلينا أن نتوقع الغير متوقع من الأحداث، لأنَّ الكثير منها يدفعنا نحو الجنون إن أخذناه محمل الجد، ولربما كان الدواء أن نعادل مرارةَ الأخبارِ السيئة بشيءٍ من حلاوةِ وطراوة الأخبارِ السعيدة ولو كانت من الماضي.

مستشار أعلى هندسة بترول