آخر تحديث: 17 / 9 / 2021م - 8:44 ص

درسٌ من ”القرون الوسطى“

بسام المسلمي *

الفرنسي جاك لوغوف «1924 - 2014م» هو أحد أشهر مؤرخي العصور الوسطى والتي امتدت من القرن الخامس حتى القرن الخامس عشر الميلاديين من تاريخ أوروبا. وقد كتب لوغوف عن تطور ”العقليات“ في أوروبا وكذلك عن تطور الحياة الدينية والاقتصادية في تلك الحقبة. ولعل ما لفت انتباهي هنا هو حديثه عن كيفية تأثير التحولات الاقتصادية الجديدة على موقف الكنيسة، الكاثوليكية بالذات، من بعض القضايا كالربا التي كانت تحرمه بشتى أنواعه والتي اعتبرته من الذنوب التي لا تُغتفر والتي لايُدفن مرتكبها في أرض مسيحية إذا مات.

ولكن، وبسبب الحاجة إلى ملاحقة تلك التحولات الاقتصادية في تلك الحقبة، فقد اضطرت الكنيسة أن تعيد النظر في أمر ”الربا“ لتجد ذريعة تبيح بها لأتباعها هذا الأمر الذي دخل في كثير من البيوتات المسيحية وخاصة بيوتات التجار منها. وقد لعب اليهود، الذين لم يكن لديهم حظر ديني رسمي ضد الربا في التعامل به مع غيرهم من الطوائف الأخرى، دوراً كبيراً في هذا الأمر. فقد مارسوا جميع الوظائف المالية والاقتصادية التي تتطلبتها تلك المرحلة بسبب ذلك التغير. ومهما يكن من الأمر، فقد كان لزاماً على الكنيسة أن تجد حلاً للتجار المسيحين الذين يتعاملون بالربا ويساهمون في الوقت ذاته في ازدهار الكنيسة أولاً وفي ازدهار الجوانب الحياتية الأخرى للمجتمع ثانياً؛ ولذلك فقد وُلدت فكرة ”المَطهَر Purgatory“ عند الكنيسة الكاثوليكية. والمطهر هو منطقة وسطى بين الجنة والنار يتم فيها العذاب المؤقت لبعض الخطايا الصغيرة بعد الموت تتطهر فيها النفس من تلك الخطيئة لتصبح مستعدة لدخول الملكوت الإلهي. وهكذا، فقد وجد المسيحيون الذين يتعاملون بالربا، الذي صبغ الحياة الاقتصادية كلها في تلك القرون، منفذاً وطريقاً يخلصهم من تبعة ذلك الذنب الذي زُج به في الذنوب القابلة للتكفير عن طريق المَطهَر بهد أن كان لا يكفِّر عنه شيئ أبداُ. ولم يقف تأثير التغير في الحياة الاقتصادية وظهور الرأسمالية عند ذلك الحد، بل بدأ البابا، بما يمتلك من مكانة دينية ب ”احتكار“ - ولعل هذا بتأثير من الرأسمالية التجارية التي تقوم في جزء منها على الاحتكار - بيع المغفرة وصكوك الغفران التي تسقط عقوبة المَطهَر.

ولكن، ومع ذلك كله، لم تُطوَ قضية الربا نهائياً إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر - لاحظ كم استغرقت من الوقت - عندما أصبح الفرق واضحاً بين الربا وإيجار المال للقيام بمشروعات تجارية. وكما يستنتج بعض الباحثين المتخصصين، فإن ذلك يعني ”أن العقليات الدينية لم تتغير بالسرعة نفسها التي كانت الممارسات الاقتصادية تتغير بها، إذ إنَّ موقف الكنيسة تجاه الربا كان قد تشكَّل نتيجة تطور بطيء للعقليات الدينية وخلال فترة طويلة“. الحقيقة أن المتأمل في التحولات والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر خلالها دولنا العربية يدرك بأننا ربما نعيش في ”القرون الأوروبية الوسطى“ خاصة فيما يتعلق ب ”العقليات“ - وخاصة الدينية - وتطورها. فهذه التطورات والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية تسير مندفعة إلى الأمام فلا أحد يستطيع الوقوف في وجهها. وتلك ”العقليات“ و”المؤسسات الدينية“ تحاول جاهدة اللحاق بها، فتنجح تارة وتخفق تارة أخرى. وربما يَلحظ المتأمل أيضاً بأن تطور ”العقليات“ و”المؤسسات الدينية“ سيكون بطيئاً - عادة - مقارنة بتلك التغيرات والقفزات الاقتصادية والاجتماعية، تماماً كما رأينا فيما حدث لأوروبا في القرون الوسطى. ولذلك؛ فإنه حري بالطلائعيين والمترقبين للتطور في ”العقليات“ و”المؤسسات الدينية“ أن يتريثوا ويصبروا أكثر وأن لا يتعجلوا نتائج هذا ”المخاض“ التي، وبحسب ما رأينا، تحتاج وقتاً طويلاً عادةً كي تنضج وتظهر إلى السطح.

ولابد لنا أن ندرك أيضاً، بأن عجلة التغيير في جوانب الحياة المختلفة لن تتوقف، بل ستسير في تسارع مطَّرد، فعلى ”العقليات“ البشرية و”المؤسسات الدينية“ مجاراتها واستشرافها، وإلا فإن العزوف والنفور من تلك المؤسسات سيكون أمراً حتمياً كما حدث لبعض الكنائس والجماعات الدينية في أوروبا. وكما لاحظنا، فإن تلك التغييرات ستقع حتماً وستفرض هيمنتها وسلطانها، وستؤثر في جميع جوانب الحياة المختلفة شئنا أم أبينا.