آخر تحديث: 20 / 11 / 2019م - 9:10 ص  بتوقيت مكة المكرمة

40 سنة

أرقامٌ في الحياة لها القدرة أن توقظَ فينا هواجسَ الماضي والمستقبل والحاضر، ولا غنى عنها، فكل حياتنا رقمين من السنين بين الواحدِ والمائة في أغلب الأحيان! ذكرى اليوم لن تكونَ عن حلاوةِ أو طراوة الماضي، أنا أصدقك القول أن الحاضرَ أجمل وسوف يكون المستقبل أجمل في الأكل والشرب ومتع الحياة بكل أشكالها، إذ أن الماضي لم يكن فيه إلا القليل الذي أكاد أجزم أن من يأسف عليه هو يأسف على السنين وليسَ على ما احتوته السنين.

في مثل هذا الشهر سنة 1979م، أكملنا السنةَ الثالثة من المرحلةِ الثانوية ولم يكن في القطيف سوى مدرسة واحدة، في مدينة القطيف، يديرها الأستاذ والأب ”حمد عنيزان الخالدي“ كانت تضم طلاب القرى كلها التي كان فيها فقط مدارسَ متوسطة وابتدائية. أساتذتنا كانوا خليطاً من الدولِ العربية والأجنبية وكنا مثل أي شبان في تلك السنوات نفرح ونمرح ونلهو ونظن أن السنينَ سوف تبقى واللمم السوداء لا تبيض، ولكن إذا كنت شابَّا الآن في عمرنا آنذاك فإليك العبرة من الذكرى:

بقدر ما كنا نلهو ونمرح كنا منشغلين بالمستقبل، ونسأل بعضنا بعضاً عن طرق الحياةِ التي نهمُّ باقتحامها. في الثامنة عشرة من العمر كنا نفكر في الجامعة والدراسة والعمل والزواج والمستقبل بكل ما تعنيه من معنى، ولم نكن أبداً نفكر بالتسكع أو الموت باكراً. الكثير منا قضى الأربعينَ سنة منذ عام 1979م طبيباً أو مهندساً أو تاجراً، والقليل منا استكان وتواضع في تحقيق أمنياته، أو نام حتى بعد الأربعين سنة في انتظار الغد!

بين العشرين والأربعين هي الفترة التي يكبر فيها عقلنا وتبدأ قوانا بالضمور، فلعل الحكمةَ في أن يهدينا العقلُ كيف نحتفظ بعقلنا وجسدنا أطولَ فترةٍ ممكنة. عشرين سنة هي المدة الزمنية التي سوف تكون فيها قررتَ مساركَ في الطريق وابتدأت المشي فيه وهي الفترة التي إن كنت تريد المالَ يمكنك تحصيله فيها، وإن كنت تريد العلمَ تزداد منه فيها.

رواية الحياة هي الرواية الوحيدة التي يكتبها اللهُ بخط البشر وبأيديهم، منهم من يتوقف عند أول سطرٍ منها ويرمي القلم، ومنهم من يكمل كتابتها بكل روعةٍ وجمال، وهذا هو سر قوة المجتمعات والأمم. ليست قوتهم في ثرواتهم تحت الأرض أو فوق الأرض إنما في عقولهم وقلوبهم ترتحل معهم أينما ارتحلوا.

بعد أربعين سنة لم تتغير ملامح أصدقائي الذين رأيتهم البارحة كثيراً! صحيحٌ أن قلم السنين خطَّ خطوطاً كثيرةً على وجناتهم وجبينهم، لكنهم بقوا كما فارقتهم في مثل هذه الأيام سنة 1979م. كما كانوا ينتظرونَ الثمانينات من القرن الماضي بكل شوق، هم ينتظرون الأربعين سنةً المقبلة بكل ارتياح ونشاط.

بعد أربعينَ سنة، عندما أرى الطلاب يخرجون من ذات المبنى حاملين كتبهم وأقلامهم، يشدني الشوقُ والرغبة أن أستأذنَ السنين أن تسمح لي بالعودة صغيراً لكي أجلس ولو حصةً واحدةً في تلك ”الحجيرة“ التي كانت تضم ثلاثينَ روحاً وجسداً، لكن يقيني من أن السنين لن تقبل يمنعني من السؤال.

مستشار أعلى هندسة بترول