آخر تحديث: 21 / 9 / 2019م - 12:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

السر الإلهي.. لما الحسين دون ما سواه؟

فاطمة القروص

يابنُ النبيّ المصطفى ووصيّهِ.. وأخ الزكيِّ أبنُ البتولِ الزاكية

تبكيكَ عيني لا لأجل مثوبةٍ.. لكنَما عيني لآجلِك باكية

تبتلُ منكم كربلاء. بدم ٍ ولا.. تبتلً مني بالدموع الجارية.

لِما خُص الحسين دون سِواه بالبكاء..

ولما تجديد الحزن على رجل قُتل من الألف ومئات السنين،،

أما آن لهذه الدموع أن تقف وتجف؟

وما السر في ذلك؟

من الطبيعي أن يحزن المرء ويتألم لفقد حبيبٍ أو عزيز، ويبكي لمدةٍ من الزمن..

ويخف هذا الحزن والألم مع الأيام، رحمةً ورأفةً من الخالق عز وجل..

كما يضع المحبة بين العباد بقدرته وبفقدهم يصعب فراقهم.. يلهم الصبر والسلوان والسكينة في قلوب الفاقدين بذات القدرة..

وبفضل ذكر ماجرى من مصائب على آل البيت يكون التصبر أسوة لصبرهم على المحن، الذي جعل محبتهم في القلوب بقدرته..

لما لتلك الفاجعة الأليمة وآثارها في النفوس المؤمنة بقضية الحسين ومظلوميته.. هذا من ناحية..

ومن ناحية أخرى،،

لأن كثرة الجزع والبكاء لموت البشر مكروه وغير مستحب من الناحية الإيمانية بالقدر ومشيئة الخالق في عباده، وأن كل حيٍ سالكٌ هذا الطريق..

وأقوال أئمة الهدى الذين أضاؤوا لنا الطريق بالكثير من الأحاديث في هذا الجانب الإستكراهي من جانب آخر..

«عن جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ فِي الْمَزَارِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَامُورَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ الْبُكَاءَ والْجَزَعَ مَكْرُوهٌ لِلْعَبْدِ فِي كُلِّ مَا جَزِعَ مَا خَلَا الْبُكَاءَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ فِيهِ مَأْجُورٌ»

أما الحسين ،، فالأمر مختلف ليس فقط من جانب الإستحباب..

إنما لمَا للدمعة عليه من أثر نفسي وإيماني وجزائي وحسن الثواب للباكي عليه..

«وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الرَّزَّازِ عَنْ خَالِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْمَكْفُوفِ قَالَ قَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ فِي حَدِيثٍ ومَنْ ذُكِرَ الْحُسَيْنُ عِنْدَهُ فَخَرَجَ مِنْ عَيْنِهِ مِنَ الدُّمُوعِ مِقْدَارُ جَنَاحِ ذُبَابٍ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ ولَمْ يَرْضَ لَهُ بِدُونِ الْجَنَّةِ

على مر التاريخ الماضي والمعاصر،،

مرت على الأمم السابقة وإلى عصرنا هذا أحداث وحروب، سببت دماراً وإبادة للشعوب، استُخدِمت فيها أبشع الوسائل الحربية من أسلحة قديمة وحديثة خلفت ورائها أثاراً نفسية وجسدية، نتيجة استخدام أسلحة محرمة دولياً..

كأعدد القتلى في الحرب العالمية الأولى،،

ودمار هيروشيما،،

نهاية الحرب العالمية الثانية وآثارها،، وغيرها الكثير..

ليس هنا محلها.. ولكن لاتلبث وتُنسى مع مرور الأيام، وإن ذُكرت يُمر عليها مرور الكرام..

أما واقعة الطف وموقف أباعبدالله الإبائي.. ورسالته السماوية..

فلها وقعٌ خاص ليس في نفوس الموالين فقط..

وإنما وصلت للعالمية ولمختلف أنواع الطوائف..

وتمنوا لوكانوا ببطولة الحسين وإبائه وإيمانه بقضيته وتضحياته، من أجل الدين والمبادئ والقيم،،

كالمهاتما غاندي ومقولته الشهيرة «وددت أن أكون مثل الحسين مظلوماً لأنتصر».. «وغيره الكثير من المعجبين بهذا الرجل الأسطوري الذي خَلد إسمه على مر الدهور»

إن التعاطف مع الحسين وقضيته سر من الأسرار الإلهية..

مهما اختلف المختلفون في سرد وقائع ثورته وإحيائها وأسبابها من زيادة أو مغالاة،، لايُختلف في وقوعها وأنها من أقوى الملاحم بطولةً وإيماناً وصبراً.. على مر التاريخ..

كنا نسمع من الأسلاف أن البكاء على الحسين ليس بحاجة إلى قراءة ماجرى عليه، فالقلب يخشع لمجرد تخيل الأحداث وكأن الواقعة أمام العين بكل أحداثها..

أو بالتجربة فقط اِذكر الحسين وكرر «حسين ياحسين» تنهمر الدموع لمجرد ذكره.. لأن حبه في قلوب المؤمنين أوليس هذا وعد الله لرسوله عند إخباره بمقتل ريحانته، بأن ينشئ له أُمةً تبكيه وتندبه..

وهذا أيضا يعد سراً من الأسرار الإلهية..

«وروي أنه لما أخبر النبي ابنته فاطمة بقتل الحسين ومايجري عليه من المحن بكت سلام الله عليها بكاءً شديداً،،

وقالت: يا أبتِ متى يكون ذلك؟

قال: في زمن خالٍ مني ومنك ومن علي. فاشتد بكاؤها وقالت: يا أبتِ فمن يبكي عليه؟

ومن يلتزم بإقامة العزاء له؟

فقال النبي: يافاطمة إن نساء أمتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي ويجددون العزاء جيلاً بعد جيل في كل سنة، فإذا كان يوم القيامة تشفعين أنت للنساء، وأنا أشفع للرجال، وكل من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنة.

يافاطمة، كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت على مصاب الحسين فإنها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة».

«بحار الآنوار، ج 22، ص 292»

إن ما اقدمت عليه قتلة الحسين من جرم في حق آل الرسول، تلك الفئة التي تجردت من كل معاني الإنسانية والأحاسيس البشرية..

واصبحت اقل ماتوصف بهايكل عظمية متحركة لا ضمائر ولا قلوب لها..

أو كأنها دمى تحركها خيوط الحقد والحسد على صفوة اختارها الله ليكونوا سادة خلقه.. هداة إلى سبيله.. يأمرون بأوامره.. وينهون عن نواهيه.. ليفعلوا بهم تلك الفعلة الشنيعة من قتل وقطع للرؤوس ولم يكتفوا بذلك، بل خرقوا الجثث الطواهر بالرماح وداسوها بالخيول من غير جرم فعلوه سوى المرتبة الرفيعة التي رتبهم الله فيها..

وسوف تظل حرارة نيران مصاب شهداء طف كربلاء متأججة في قلب كل موالي.. والبكاء والحزن لما جرى عليه جمرة تتوقذ في القلوب المؤمنة ابد الدهر لاتنطفىء..

لأن حبه يجري في الدماء جيلا بعد جيل..

الواقعة التي احرقت قلب الرسول فكيف لمحبي آل بيته..

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى اصحاب الحسين، أبداً مابقينا وبقي الليل والنهار.