آخر تحديث: 20 / 11 / 2019م - 4:33 م  بتوقيت مكة المكرمة

الايذاء.. الوسيلة

محمد أحمد التاروتي *

إيذاء الخصم يختلف تبعا لنوعية الخصومة، وحجمها والقدرة على التحمل وأخيرا الهدف من وراء استخدم الأذى في الصراع، فالعملية مرتبطة بالقدرة على إيصال الرسالة، بشكل واضح للطرف المقابل، لاسيما وان البعض يفتقر للاليات المناسبة لقراءة ما تحت السطور، مما يستدعي استخدام الأسلوب المباشر لاحداث الفزع والخوف، اذ تبدأ المناوشات على شكل رسالة صغيرة، ولكنها سرعان ما تتوسع، ليبدأ اللعب على المكشوف، بعيدا عن الوسائط او الحرب بالوكالة كما يقال.

استخدام الاذى ليس معناه ممارسة العنف، او الدخول في الحرب المباشرة، فهناك العديد من الوسائل والطرق المختلفة، لاحداث الضرر لدى الخصم، مما يستدعي التحرك وفق قواعد متحرك، وليست ثابتة، في إدارة الصراع بشكل احترافي، لاسيما وان الخصومة تمر بمراحل مختلفة ومتعددة، فهي تبدأ بشكل اختلافات صغيرة، ولكنها سرعان ما تتوسع لتصبح قطيعة كاملة، الامر الذي يتطلب وضع تصورات مناسبة، لكل مرحلة من المراحل، فالقفز على المراحل يكون أحيانا مفيدا، وأحيانا أخرى مضرا، نظرا للانعكاسات المترتبة على تجاوز مراحل الخصومة، بشكل سريع دون مراعاة الظروف الاجتماعية السائدة.

الحروب النفسية تمثل احد الوسائل الشائعة في تسبب في الايذاء، فالخصم يحاول استخدام الشائعات والاتهامات، وسيلة للقضاء على الخصم بالضربة القاضية، الامر الذي يفسر اتساع دائرة الاتهامات في الخصومة بين الأطراف المختلفة، حيث يحاول كل طرف ابتكار الأساليب، في القضاء على الروح المعنوية، من خلال الصاق العديد من التهم، ومحاولة اثارة بعض القضايا القديمة، بهدف وضع الخصم في دائرة ضيقة للغاية، ”كَذَ?لِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ“.

القدرة على مقاومة الحرب النفسية، تدفع لانتهاج الطرق البديلة، من خلال الانتقال للمرحلة الثانية من إدارة حلبة الصراع، حيث يعمد الخصم لمحاولة تضيق الخناق، على الخصم في الوسط الاجتماعي، اذ يستخدم القبيلة او العشيرة كطرف في المواجهة، سواء من خلال التأثير على تلك العشيرة للضغط، بهدف الانسحاب من الساحة، او تقديم التنازلات، او بواسطة استمالة العشيرة او الاسرة للطرف المقابل، مما يشكل طعنة في الظهر جراء انكشاف السند، وفقدان احد الأركان الداعمة، لمواصلة الصراع بشكل قوي، وبالتالي فان انقلاب العشيرة تحدث شرخا كبيرا في النفس، مما يتسبب في احداث صدمة كبرى، نظرا لفقدان القاعدة القريبة، او الفئة القادرة على تقديم العون، والمساندة في مشوار الصراع.

الاستعانة بالحليف الخارجي، تمثل المرحلة الثالثة، في ادخال الاذية في الخصم، فالفشل في التأثير على العشيرة او الاسرة، يدفع الخصم للبحث عن الوسائل الضاغطة، والقادرة على احداث شرخ عميق في نفسية الخصم، اذ يحاول الاستفادة من الإمكانيات المادية، والمعنوية لدى الأطراف الخارجية، خصوصا وان تشكيل تحالف قوي يشكل صدمة يصعب تحملها لدى بعض الخصوم، مما يمهد الطريق امام الانسحاب من المواجهة، ومحاولة تقديم التنازلات، في سبيل تقليل الخسائر المتوقعة، وبالتالي فان الحليف الخارجي يشكل ورقة ضاغطة، لالحاق الايذاء في الخصم، سواء بطريقة مباشرة او غير مباشرة.

المواجهة المباشرة تمثل الوسيلة الأخيرة، في مراحل احداث الايذاء لدى الخصم، فالانتقال للمرحلة الأخيرة يكشف فشل المراحل السابقة، في تحقيق اغراضها المرجوة، مما يجبر على الدخول في الحرب المادية، نظرا لوجود قدرة كبيرة لدى الخصم، في مقاومة مختلف أنواع الضغوط السابقة، وبالتالي فان المواجهة المباشرة تتحرك لسحق الطرف المقابل، والعمل على قتل المقاومة، والتسبب في الأذى المباشر، الامر الذي يسهم في تحقيق الانتصار، والاستفراد بالساحة الاجتماعية، لاسيما وان وجود اطراف منافسة، لا يخدم بعض الاطماع الخاصة.

كاتب صحفي