آخر تحديث: 18 / 9 / 2020م - 10:18 م  بتوقيت مكة المكرمة

النقد.. الأسلوب

محمد أحمد التاروتي *

عملية النقد الذاتي ضرورة لاعادة ترتيب الأوراق بشكل صحي، ”حاسبوا أنفسكم قبل ان تحاسبوا“، فالعملية لا تدخل ضمن اعتبارات ”جلد الذات“، بقدر ما تهدف الى تسليط الضواء على مكامن الخلل، والتحرك الجاد للإصلاح من الداخل، باعتباره الأكثر دراية من غيره بالنواقص، ”بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى? نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ“، مما يتطلب إيجاد الحلول لسد الثغرات، والبحث عن الحلول المناسبة، بما يسهم في الارتقاء بشكل سليم.

انتقاء المفردات او الطرق المناسبة، لتوجيه النقد خطوة أساسية، للوصول الى الأغراض المرجوة، لاسيما وان عملية التجريح المباشر، او التقريع غير المناسب، يحدث حالة من النفور الذاتي، ويسهم في بروز إشكالات كبرى، مما يتطلب وضع الاعتبارات النفسية، والطرق الأخلاقية، في مقدمة الأولويات في عملية النقد الذاتي، نظرا لاختلاف التوجهات وتفاوت مستوى القبول في الوسط الاجتماعي، فهناك شرائح قادرة على استقبال النقد المباشر والصريح، نظرا لامتلاك المقومات الأساسية لذلك، ومحاولة الاستجابة السريعة للنقد، بما يقود لاصلاح النواقص، والبدء في عملية البناء الذاتي، بشكل تدريجي وإيجابي.

فيما توجد شرائح اجتماعية غير قادرة، على استيعاب النقد بمختلف اشكاله، نظرا لافتقارها للقدرة على تقبل الرأي الاخر، مما يستدعي اختيار الاليات والأساليب المناسبة، للبدء في الإصلاح الداخلي، من خلال استخدام الطرق غير المباشرة، عبر اعتماد مبدأ ”اياك اعني واسمعى يا جارة“، وبالتالي فان قراءة الطرف المقابل خطوة أساسية، لتحديد مستقبل مشروع الإصلاح الداخلي، نظرا لتفاوت درجات القبول لدى الشرائح الاجتماعي.

امتلاك الرؤية الكاملة لمشروع الإصلاح، يمثل احد العناصر الأساسية لنجاح ”النقد الذاتي“، فالعملية ليست اعتباطية او عشوائية، مما يستدعي وضع خطة متكاملة لعملية النهوض الذاتي، وإعادة ترتيب الأوراق بشكل منهجي، لاسيما وان الانحراف عن جادة الطريق يقود الى الطريق المسدود، مما يؤدي الى الضياع في متاهة الرفض، وعدم القبول من مختلف الشرائح الاجتماعية، نظرا لافتقار الجهات القائمة على النقد للاسس العملية، والمنهجية اللازمة للتوجيه السليم.

الأسلوب يختلف باختلاف الظرف الزماني والمكاني، ”ما كل ما يعرف يقال وليس كل ما يقال حضر وقته“، بمعنى اخر، فان المرء مطالب بوضع الاعتبارات الاجتماعية، في الحسبان على الدوام، من خلال المراجعة الدائمة لدرجة القبول، ومدى الاستقبال لعملية النقد الذاتي، الامر الذي يسهم في تحقيق الأهداف المرجوة، فيما تكون النتائج وخيمة وكارثية، بمجرد القفزات على الاعتبارات الاجتماعية، ومحاولة التصادم المباشر مع بعض القناعات الثقافية، نظرا لوجود مراكز قوى في المجتمع، بحيث تعمل على احداث رفض تام، مما يؤدي في النهاية الى الفشل الذريع، وعدم القدرة على احداث اختراق حقيقي، في البنية الفكرية الاجتماعية.

التوازن في الطرح النقدي يشكل عاملا أساسيا، في احداث القبول الاجتماعي، فهناك ضرورة لاطلاق مراحل تدريجية عبر استخدام وسيلة ”الخطوة - خطوة“، لايجاد قاعدة اجتماعية قادرة على التفاعل والاستيعاب، خصوصا وان النقد المتسرع يحمل في طياته الكثير من المحاذير، والعديد من المخاوف، لاسيما وان النقد يستهدف نسف بعض القناعات السائدة، ومحاولة تأسيس ثقافة جديدة، تتعاطى مع المستجدات بواقعية، وبالتالي فان السياسة ”المرحلية“ اكثر قدرة على إيجاد موطئ قدم، في نفوس العديد من الشرائح الاجتماعية، الامر الذي يقود لاختراق الحواحز النفسية، التي ترفض التعرض لبعض الثوابت الاجتماعية المتوارثة لدى المجتمع.

يبقى النقد عملية تحفيزية لاعادة رسم الواقع الاجتماعي بشكل مغاير، باعتباره خطوة أساسية لمواكبة التطور الثقافي، ومواكبة مسيرة البناء الإنسانية المستمرة، لاسيما وان الجمود يترك ترسبات كثيفة على العقل البشري، مما يمنعه من التحرر والانطلاق باتجاه الفضاء الرحب، وبالتالي التقوقع في دائرة محدودة تكرس الواقع البائس، وتعرقل عملية النهوض الشاملة.

كاتب صحفي