آخر تحديث: 22 / 2 / 2020م - 10:05 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحرب.. الصلح

محمد أحمد التاروتي *

قواعد اللعبة السياسية تفرض اتخاذ الخيارات المناسبة، بما ينسجم مع مؤشرات الربح والخسارة، بحيث تستدعي مرحلة زمنية انتهاج سياسة ”الجزرة“، ومرحلة أخرى سياسة ”العصا“، لاسيما وان اللعبة السياسية تضع في الاعتبار المصلحة، قبل اعتماد المبادئ الأخلاقية، وبالتالي فان العداء المستمر ليس واردا، وكذلك الصداقة الأبدية ليست قائمة، فسرعان ما يتحول العدو الى صديق حميم، والصديق العزيز الى خصم عنيد، نظرا لتباعد المصالح الحاكمة بين الأطراف المتنازعة، وتقاربها بين الجهات المتحالفة.

الرياح السياسية المتقلبة تفرض اتخاذ قرارات صعبة، في كثير من الأحيان، فهناك تحولات كبرى تفرض الدخول في معارك عسكرية، باعتبارها الخيار الوحيد والأفضل، لوضع الأطراف الأخرى في مكانها الطبيعي، فالسكوت يدفع احد الأطراف للتمادي، و”التنمر“ بطريقة استفزازية، وغير مقبولة، مما يجبر على اتخاذ القرار الصعب والمناسب في الوقت نفسه، نظرا لتباعد المواقف ووجود أغراض مشبوهة، واحيانا توسعية، الامر الذي يفرض حالة من التوجس والخوف من تحركات الأطراف الأخرى، بحيث تدفع باتجاه المواجهة المباشرة سواء كانت محدودة او شاملة، فالعملية مرهونة بالاجواء السائدة، والقدرة على الصمود، وانتزاع التنازلات، لابقاء الأوضاع الأمور تحت السيطرة.

الدخول في الحرب ليس خيارا محبذا في جميع الأوقات، وتحت مختلف الظروف، نظرا لما تسببه من دمار وخراب، وازهاق للارواح، فضلا عن التداعيات الاقتصادية والسياسية، بيد ان محدودية الخيارات تستدعي انتهاج لغة ”السلاح“، واظهار القوة، وعدم الاستسلام، امام الضغوط التي يحاول الطرف المقابل، فرضها للحصول على المزيد من التنازلات، وبالتالي فان الحرب تستخدم في الغالب كوسيلة لفرض الإرادة، واجبار الأطراف على التنازل، والالتقاء في منتصف الطريق، لاسيما وان القوي يحاول اخضاع الطرف الضعيف، عبر الاذلال وسلب الإرادة، بمعنى اخر، فان الحروب تظهر تكافئ القوى، وعدم القدرة على الانتصار، مما يدفع لاعادة الحسابات بما ينسجم مع الوقائع على الأرض، بحيث يتحرك الجميع باتجاه المناطق الوسطى، ”لا غالب ولا مغلوب“، الامر الذي يحفظ ماء الوجه للجميع، عبر التنازل والاتفاق على نقاط مشتركة ومقبولة للجميع.

الشعور بالقوة يدفع البعض لممارسة ”العنترية“ في العلاقات الخارجية، بحيث يحاول استخدام القوة ”الزائدة“، في اجبار الاخرين على تقديم التنازلات، والعمل على استخدام القوة في فرض المزيد من السيطرة، بيد ان الاحتكاكات المحدودة واظهار الرغبة في المقاومة، وعدم الاستسلام، تشكل منعطفا جوهريا في سياسة ”القوة“، خصوصا وان بروز القوة لدى احد الأطراف يكون محركا حقيقيا لرسم سياسة جديدة، تعتمد على المعطيات غير المتوقعة، بحيث تبرز على شكل مد ”الجزرة“ عوضا من التلويح ب ”العصا“، جراء وجود اطراف قادرة على الحاق الضرر، وعدم الرغبة في تقديم التنازل، وبالتالي فان الشعور بالقوة ليس مدعاة للحصول على التنازلات في الغالب، جراء اختلاف القدرة على الصمود لدى مختلف الأطراف المناوئة.

الجنوح للسلم او الانخراط في المسار التصالحي، يمثل الخيار الأفضل في جميع الأوقات، بيد ان عملية الوصول الى الصلح تتطلب بعض المقدمات، والعديد من الجهود، الامر الذي يستدعي استخدام تلك الوسائل لاحداث اختراق حقيقي، لدى الأطراف المتنازعة للجلوس على طاولة المفاوضات، اذ تمثل الحرب احدى الوسائل الداعمة للصلح، باعتبارها الطريقة الأسرع أحيانا، لتكريس قناعة السلم على لغة الرصاص، وعمليات التدمير واستمرارية القتل الجنوني، وبالتالي فان الحرب تستخدم لتحريك خيار ”الجزرة“، على مبدأ ”العصا“ التدميري في مختلف المجالات.

كاتب صحفي