آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 10:53 م  بتوقيت مكة المكرمة

‎هل تغار من التافهين لأنهم أكثر شهرةً وانتشاراً ودخلاً منك؟؟

محمد عبد الله العيسى *

‎إذا كنتَ تستحي من الإجابة ب ”نعم“ فلتعلم أنني أغار منهم أكثر منك.

‎كيف نقيس التفاهة؟

‎هل كلّما ابتعدنا عن ملامسة ”الواقع“ صرنا أكثر ”تفاهةً“؟

‎أم هل كلّما ابتعدنا عن إضافة ”القيمة“ صرنا أكثر تفاهةً؟

‎أم هل كلّما ابتعدنا عن تقديم ”المعنى“ صرنا أكثر تفاهةً؟

‎بماذا نقيس التفاهة؟ وما هو معيارها؟

‎الشيءُ الأكثر مَرارةً على الإنسان هو ”واقعُه“ الذي يصطدم به ويعيشه ويحاصره في كل لحظة. الفواتير التي تنتظره آخر الشهر هي ”واقعٌ“ لا يمكنه الفرارُ منه. الذهاب إلى العمل وتحمّل مشقته وعنائه وما قد يكون فيه من هوان هو ”واقعٌ“ لا يمكنه تفاديه. تحمّل طلبات المنزل والأزواج والأولاد هو ”واقعٌ“ لا يسعه الهروب منه. احتمال المرض وحتمية الموت وفقد الأعزاء هو ”واقعٌ“ يتربّص به، وقِس على ذلك.

‎ ”الواقع“ يحاصر الإنسان رغماً عنه ويُقسره وقد يتعسه ويؤلمه ولا يستطيع الهروب منه. جماهير الناس لن تسعى بجد للبحث عن مزيدٍ من هذا ”الواقع“ المؤلم وغير مستعدّةٍ لدفع أموالها لكي تزداد ألماً.

‎بل على العكس تماماً، الناس تهرب تماماً من هذا ”الواقع“ وتلجأ بقوة إلى ما ينتشلها من هذا ”الواقع“ ويحرّرها من سجنه؛ تلجأ إلى الأحلام، الآمال، الخيال، الأسطورة، أو أي شيء يحرّرها من زمانها ومكانها ويحلّق بها بعيداً عن هذا ”الواقع“. باختصارٍ شديد، جماهير الناس تريد من ينسيها وينتشلها من ”الواقع“ وليس من يغرقها في المزيد منه.

‎العلماء والباحثون والفلاسفة والمفكرّون والجادون بصفة عامة الذين لا شغل لهم إلا الغوص في ”الواقع“ واكتشاف المزيد منه يستغربون من صدود الناس عن بضاعتهم وإقبالهم الشديد على بضاعة التافهين البعيدة عن ”الواقع“ والتي لا تضيف ”قيمةً“ حقيقيةً والتي تخلو من ”المعنى“. مثلاً، يستغرب هؤلاء كيف أنهم يقيمون الندوات والمؤتمرات والفعاليات العلمية والفلسفية والثقافية المجانية فلا يحضرها إلا نفرٌ قليلٌ من أهل الاهتمام أو الاختصاص، بينما تتدافع الألوف المؤلفة وتدفع الآلاف لتحضر حفلاً بضاعته لا تمت لـ ”الواقع“ بأي صلة.

‎ ”الواقع الجديد“ الذي لم يدركه هؤلاء الجادون هو أن ”الواقع“ الذي يهتمون وينشغلون به يبدو للجماهير وكأنه مصدرٌ لمزيدٍ من المعاناة، وأن الذي يسعد هذه الجماهير أكثر هو مَن ينتشلها من هذا ”الواقع“ وليس من يكرّسها فيه أكثر.

‎إذن من الذي يضيف ”القيمة“ الأكبر للناس والتي ”تعنيهم“ أكثر؟ نحن الجادّون من خلال بضاعتنا العقلية والفكرية والأدبية الأكثر جديّةً وواقعيةً؟ أم من نسمّيهم ”التافهين“ ببضاعتهم الأقل ”واقعيةً“ و”قيمةً“ و”معنىً“ كما نزعم؟

‎ألا يتضح لنا الآن أن مَن ينتشلون الناس من ”واقعهم“ ويحلّقون بهم في عالم الخيال والفنتازيا من خلال القصة والأسطورة والفيلم والموسيقى والكوميديا والرياضة والعنف والجدّة اللامتوقعة هم أكثر ”واقعيةً“ منا في تقديم البضاعة الأكثر ”قيمةً“ و”معنىً“ للناس؟

‎ومن واقع تجربتي الشخصية في الكتابة في الفيسبوك فطرفة سريعة لا تكلّفني كتابتها بضع دقائق تحظى على أضعاف أضعاف اللايكات مقارنةً بأي موضوع فكري أبذل في كتابته الكثير من الجهد والساعات.

توستماستر متميز وبطل الخطابة الفكاهية في الخليج والسعودية 5 مرات