آخر تحديث: 19 / 9 / 2020م - 8:02 م  بتوقيت مكة المكرمة

القدوة.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

القدوة ترسم خارطة طريق للبيئة الاجتماعية، وأحيانا كثيرة تقود المجتمع الى الجادة الصواب، نظرا لما تمتلكه من قدرة ورؤية على الإحاطة بالأمور، وكذلك إمكانية الاختيار الصائب في الأوقات الصعبة، مما يجعلها ”طوق نجاة“ للكثير من الشرائح الاجتماعية، الامر الذي يفسر التفويض الذي يعطيه المجتمع لـ ”القدوة“ للتحرك بحرية، ورسم الملامح الأساسية لمنهجية المجتمع، في التعاطي مع مختلف الملفات والقضايا الكبرى، لاسيما وان انعدام القدرة على التمييز يضع البعض في خانة الحيرة، والاختيار الخاطئ، مما يستدعي وضع الأمور في المسار السليم، لتفادي الانخراط في الطريق المعوج، ”هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ“.

نجاح القدوة يتطلب التفويض الكامل من البيئة الاجتماعية، ”لا رأي لمن لا يطاع“، فالقدرات القيادية الكبرى، وامتلاك المنهج الواضح، والقدرة على الاختيار الصائب، لا تجدي نفعا مع وجود بيئة اجتماعية، تقف على الجانب الاخر من القدوة، خصوصا وان ”اليد الواحدة لا تصفق“، وبالتالي فان تواضع الإنجازات لدى القدوة، لا يمثل قصورا في القدرات، وانما الخلل يكمن في الطرف الثاني، ”وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ“ و”وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا ﴿* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا ﴿* أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا“

وجود الاستجابة المتبادلة عملية أساسية، في مسيرة النهوض الاجتماعي، لاسيما وان كل طرف يدعم الطرف الثاني، في تحقيق الأغراض المرجوة، وبالتالي فان تحرك احد الأطراف بمعزل عن الطرف الثاني، يفضي الى الطريق المسدود، نظرا لوجود خلل كبير في المسيرة التنموية الشاملة، بمعنى اخر، فان التحرك وفقا لمعطيات غير واقعية على الأرض، يشكل معضلة حقيقية في نهاية المطاف، نظرا لاختلاف العمل وفقا موازين دقيقة، الامر الذي يفسر تباعد التوجهات لدى القدوة، والمجتمع في بعض الأحيان، نظرا لاختلاف التفاهم المشترك في عملية التقييم الاجتماعي، بما يخدم الهدف السامي.

عملية الانسجام التام، والاتفاق على البرنامج المشترك، يساعد في تكريس المبادئ الأساسية للنهوض الاجتماعي، لاسيما وان غياب الفهم الكامل باهداف القدوة، يقود الى التصادم المباشر، بحيث يظهر على شكل حملات إعلامية كبرى، بهدف احداث شرخ كبير بين القدوة والبيئة الاجتماعية، الامر الذي ينعكس على شكل خصومة او حرب شاملة، مما يفضي الى ”عزلة“ القدوة على المجتمع، جراء الرفض الكامل بما تحمله القدوة من أفكار وقناعات، سواء نتيجة تواضع المستوى الثقافي لدى بعض الشرائح الاجتماعية او بسبب الاختلاف في طريقة معالجة الأمور، بالإضافة لذلك فان خشية أصحاب النفوذ الاجتماعي، تمثل بدورها احد العوامل الأساسية، في الحرب على القدوة منذ اللحظات الأولى، ”يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ“.

القدرة على التحرك بحرية في البيئة الاجتماعية، عنصر أساسي في مشوار البناء الاجتماعي، فالقدوة التي تجد نفسها مكبلة بالقيود المادية والمعنوية، يصعب عليها تنفيذ برنامجها للنهوض بالبيئة الاجتماعية، نحو التنمية الشاملة، لاسيما وان القيود الاجتماعية تلعب دورا أساسيا في تحديد المسار، سواء بالاتجاه السلبي او الإيجابي، الامر الذي يفسر بروز ”القدوة“ في مجتمعات، وفشلها في مجتمعات أخرى، فالعملية مرتبطة بمساحة التحرك الممنوحة لـ ”القدوة“ للعمل، بما يحقق النتائج المثمرة في نهاية المطاف.

المجتمع يمثل طرفا فاعلا في اظهار ”القدوة“، او القضاء عليها، فهو القادر - المجتمع - على الإمساك بيد القدوة، عبر التشبث بما تحمله من رؤي ومعتقدات، باعتبارها وسيلة للخروج من الوضع البائس، والانطلاق بقوه باتجاه العطاء الشامل.

كاتب صحفي