آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 12:58 ص

مفاهيم حياتية 2

ياسين آل خليل

في بيئة أعمال الشركات العملاقة، ودون الحاجة أن أسميها بأسمائها، تُعْتبر التنافسية والدفع بالإنتاجية والجودة، أمور في غاية الأهمية بالنسبة للمدراء التنفيذيين. أسباب عدة تدفع هؤلاء المسؤولين للحفاظ على نفس الزخم من العمل الجاد. من بين تلك الأسباب وأهمها، التطلع لنمو تلك المؤسسات وبقائها متربعة على صدارة الشركات الأكثر دخلًا وقيمة سوقية، مما ينعكس إيجابًا على قدرتها على اختراق عوالم جديدة، وتقديم خدمات متميزة لجميع عملائها السابقين والجدد على حد سواء.

لا أريد الخوض والتوسع أكثر في كيفية عمل هذه الشركات، وإلا انْحَرَفْتُ عن الهدف والمحور الذي أردت الخوض فيه والذي يصب في العنوان الأساسي لهذه المقالة، مفاهيم حياتية. الطبقة التي تلي المدراء التنفيذيين على سلم الهرم الوظيفي، هم المُشْرفين على الأعمال والمهندسين والمخططين ومن بعدهم الحرفيين على اختلاف تخصصاتهم. هذه الشرائح من الموظفين تعتمد عليهم الإدارة في تنفيذ الأعمال بشكل يتوافق والخطط المرسومة مُسْبقًا ومتطلبات العمل اليومي، وما يستجد على صعيد الرؤية المستقبلية لهذه المؤسسات.

هناك أمور كثيرة غائبة عن وعي الإنسان العادي، البعيد كل البعد عن بيئة هذه الأعمال، وما تتطلبه من أعصاب حديدية، علاوة على أنها تحتاج إلى الكثير من الوقت خارج نطاق ساعات العمل المتعارف عليها. تخيل هذا النمط من الحياة العملية، عندما يستمر لأعوام طويلة ودون انقطاع!

قد يتساءل البعض باستغراب، لما كل هذه المبالغة؟ أما بالنسبة لمن عاصر هذه الضغوط فهو يعلم تمامًا أني بالكاد قد لامست حقيقة الواقع لذلك الموظف ومواكبته لمتطلبات عمله اليومي والأوامر التي يتلقاها من مرؤوسيه، علاوة على الأعمال التي تتطلب مواعيد نهائية لا يمكن تأجيلها لأي سبب من الأسباب. أكيد أن هذه الأعمال مدفوعة الثمن كما يعتقد السواد الأعظم من الناس، فهناك رواتب مُجْزية وترقيات وغيرها من الحوافز. لكن ياترى هل تلك الحوافز تطال الأفراد المعنيين، أو أنها تُجَيّر لأناس مُنتقاة، شاءت الأقدار أن تتوافق أمزجتهم ونمط حياتهم مع تلك الطبقة من الإداريين.

لكن أين هذا كله من حياة الفرد وأسرته..؟ هناك أمور حياتية لا تُقاس أو تُعوض بالمال، ولا تُرَمّمها المقاعد المخملية، فكل ساعة استقطعها هذا الموظف من أن يكون قريبًا من أفراد أسرته، لا يمكن تعويضها في وقت لاحق، وكما يُقال ”درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج“. جميل أن ينجح المرء في حياته العملية، لكن عندما يكون ذلك على حساب صحته ومستقبل أسرته، فإن مردود هذا الإستثمار غير مُجْز بكل المعايير، بل قد يتحول في بعض الأحيان إلى خسارة لا يعوضها الزمن. عندما يجهل الإنسان أحد أهم المهارات الحياتية، الا وهي الموازنة بين العمل والمنزل، فإن حياته تفقد مذاقها ونكهتها وتتحول إلى شيءٍ من العبثية والدخول في حالة من الجدل والصراع مع الذات.

عزيزي المسؤول، يامن حققت الكثير من الإنجازات على مستوى منصبك في الشركة، هل الحياة في منظورك عملٌ ومنصب، أو أنها أوسع وأعمق من ذلك بكثير؟ سنين معدودات وتنتهي خدمتك وتخرج إنسانًا عاديًا، عندها ترجع إلى نفسك وتقييم أدائك، فإن خرجت منها سليمًا معافى فبفضل من الله وتدبير منك، إما إن كانت إنجازاتك هي على حساب صحتك وصحة عيالك ومستقبلهم، علاوة على الغُرْبة التي أوجدتها والتي تفصلك عن أسرتك بعد أن أفنيت شبابك للعمل ونسيت أن هناك من هم أثمن من كل ما جَمَعْت، فعلى الدنيا السلام. اليوم لم يعد المال الذي جمعته أو المنصب الذي تركته وراء ظهرك قادرًا على تعويض ما فقدته أنت وحَرَمْتَ منه زوجك وأولادك!

لا تجعل المال والمنصب هو هدفك الأول والأخير. تأكد من أن المكان الذي ستصل إليه، هو نفس المكان الذي تَسْعَدُ أن ينتهي بك وبأسرتك. غالبًا ما نرسم أهدافًا لأنفسنا، فينتهي بنا المشوار إلى تحقيق جزء منها على أكمل وجه، وتبقى أجزاء مهمة، كَمَشَاريع غير مُكتملة، إما لِتغَافلنا أو لسُوء تقديرٍ منا. واقعُ الحال ”لا يمكنك إنهاء ما لم تبدأ، كما أنه لا يجب عليك أن تبدأ ما لم تلتزم بإنهائه“ والقول للكاتب جاري بلاير.

وأنت في أوج عطائك، عاجلًا أو آجلًا، لا تنتظر كثيرًا قبل أن تُقَيّم وُجْهَتك. أنت تعلم أن الوقت لا يُمكنه أن ينتظر، كما أنك لا تجهل أنه لا يُمكنك الرُجُوع بالزمن إلى الوراء لإصلاح ما أفْسَدْتْ، وعلى مدى سنين عديدة.. ”وهل يُصْلحُ العطّار ما أفسَد الدهرُ؟“.. دمتم سالمين

«للحديث بقية»