آخر تحديث: 23 / 10 / 2020م - 5:36 ص

نعوم

يسرى الزاير

يرحلون فتحيا في حنايا الروح ذكراهم وتتوقد الذاكرة بصور وذكريات لا تتكرر.

نتذكر ونشتاق لهم، فتعتصر الحسرة قلوبنا ليس لفقد أحبابنا فكلنا لذا المصير راجعون، إنما حسرتنا على أخلاق وقلوب بإتساع الكون لو قدر لها التوثيق لكانت اهرامات من المثل والقيم الانسانية، لكانت مراجع لإدارة الذات والتربية والحب اللامشروط.

نعم الحب اللامشروط وتحته مليون خط احمر.

الحب دون قيد او شرط، المتدفق من روح ناصعة، شفافة، مجبولة على الإيثار والعطاء اللامتناهي، هو بكل بساطة ما قد يكون عنواناً مناسباً يختصر كل الصفات النبيلة والانسانية المرهفة لخالتنا الحنون نعوم.

نعيمة محمد أمين الزاير.

هرماً شامخاً في حياتنا جميعا.

مدرسة للإنسانية.

لن اكثر من التفاصيل. سوف اختصر واحتفظ بأدق التفاصيل والصور في ذاكرتي مرجعاً لي لشحن نفسي بالإيجابية وصفاء الروح والعقل.

خالتنا نعوم هي البيت المشرعة ابوابه على مدار العام للجميع كما قلبها تماماً.

ما ان أضع يدي على الباب الموارب طبعاً اذ انه لم يعرف الإغلاق قط، أناديها خالوه.. ليأتي صوتها المفعم بالحب والحنان خلف خالاتي تليها موشح تهليل وترحيب.

أخطو للصالة.. ما ان انحني لتقبيل رأسها إلا وأخذت وجهي بين كفيها وانهالت علي بدفء القبلات، بعد ذ؛ لك تضمني لصدرها الحنون لبعض الوقت، ثم تدعوني للجلوس بجوارها، حيث تكون ضيافتها جاهزة. سلة فواكه الموسم، أصناف الحلويات، ولابد من طبق او اكثر من صنع يدها الماهرة، عقيلي او مقرازي وما لذ وطاب. كذا المشروبات الساخنة والباردة.

وهكذا الحال مع كل ارحامها إناث وذكور.

خالتي نعوم لها اُسلوب عجيب في توصيل النصح.

لم تعتمد ابداً الأسلوب التقليدي في النصح والتوجيه بل كانت تعمد سرد الحكايات والمواقف والأحداث. واللبيب بالاشارة يفهم.

اذ الحكمة ولين الحديث في رأيي يجعل من أي شخص ذكي ام ذو ذكاء محدود قادراً على استيعاب النصيحة بهدوءش والاستفادة منها مع سبق اصرار.

خالتي نعوم...

علمتنا فعلياً كيف يكون العمر عملاً ليس رقماً، قد كانت فخورة جداً بعدد سنين عمرها.

ممتنة لكل يوم عاشته. لقد عرفت كيف تعيش. هي فيلسوفة من طراز نادر، فقد استطاعت بطريقة فلسفتها لكل ظروف الحياة وقساوة أحداثها وتقلباتها.. هلم جرة. النجاة من اسقاطاتها النفسية.

ابتسامتها الساحرة جعلت من وجهها المنير قمراً ينشر الفرح، أينما حلت ابتهج المكان بها وسعد الجميع.

خالتي نعوم هي أيقونة لنا جميعاً. هي ليس اقل من ما تعنيه الماما تيريزا للعالم.

خالتنا نعوم هي ماما تيريزا لكل عائلتنا.

كانت متدينة حتى النخاع وقد كان الدين متجسداً لديها أخلاق.

هي ربة بيت رائعة، مربية فذة، زوجة لا مثيل لها.

هي نموذجاً للمرأة العربية العظيمة، قامة رفيعة، جميلة، أنيقة، عطرة، صبورة ودؤبة.

عملت كتفاً بكتف ويداً بيد مع زوجها رحمه الله عمي محمد حسين محمد جواد الزاير.

عمي هو النصف الاخر لخالتي لابد من إلقاء الضوء عليه ليكتمل وجه القمر.

وحيث لا يتسع المقال هنا الإشادة بمقامه ورفعته بقلوبنا اكتفي بقول أنه المقدمة والخاتمة في حكاية خالتي.

نعوم واخواتها، جليلات، وقورات من القرن الماضي، من زمن الحياة القاسية والنفوس الرهيفة والاخلاق العالية النبيلة، زمن السيدات الفاضلات، المربيات المثابرات. نساء على وشك الانقراض، هن من عصرٍ بعيد قاسي كصخر إلا أن ناسه خصوصاً نساءه كن بليونة الورد.

هكذا كن نماذج من عائلتنا سلمى أم عبدالعظيم جدتي ومريم أم عبدالكريم خالتي وصغراهن خالتي نعيمة أم سعيد رحمهن الله.

ايضا لن أنسى ما حييت المرحومة خالتي زهراء احمد محمد جواد الزاير أم المرحوم حسين التي رحلت عنا قبل أشهر قليلة.

فقد كانت نسخة أخرى من خالتها نعيمة إنما بظروف حياتيه مغايرة.

ظروف من شدة قسوتها أذابت جسدها، في المقابل أبى ثغرها الباسم أن تمره لحظة عبوس.

هذه المقالة نقطة في بحر إنسانية نعوم.

الى جنان الخلد خالتنا الحنون. إنا لله وإنا اليه راجعون.

تعازي الحارة للغوالي أسرة خالتي فرداً فردا وجميع العائلة والمحبين.