آخر تحديث: 22 / 9 / 2020م - 10:05 ص  بتوقيت مكة المكرمة

رسائل كتبتها ولم أرسلها

من أرق قصائد وأشعار الحب والغزل والشجن التي دونها التاريخُ العربي هي أشعار قيس بن الملوح في الشوق إلى محبوبته ليلى حيث حرمتهُ الأيامُ من الاقتران بها. ذلك المنع أفسحَ عن طوفانٍ من الغرام الجارف منذ أن كانت ليلى صغيرة وحتى مات قيس، فمن يقرأ اليوم ما كتب قيس قبل مئاتٍ السنين سوف يدرك مقدار ألمَ البعدِ عن ليلاه!

كلما قرأتُ شيئاً مما كتب قيس أسأل نفسي ماذا لو فعلاً أعطت قيساً الأيامُ مُناه وتزوج ليلى، هل يدوم ذلك الغرام والهياج؟ أم هل كان سيخبو وينطفئ بعد يومٍ او سنةٍ أو أكثر؟ لن أعرفَ الجواب لكن قاعدةَ الزمن تقول ”كل ممنوعٍ مرغوب“ وأن ”كل بعيدٍ أنا مشتاق إليه“، وثم ”لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ“. كما أن طبيعةَ الإنسان تقتضي بعد أن تشبع رغبته يبدأ في حالةِ التفكر والعقل وسرعان ما يعود إلى حالةِ الاتزان أو ربما الميل إلى الجنبةِ الأخرى،، فإذا حان وقت وفاء العاشق بوعده سرعان ما يهرب من المسئولية.

وماذا لو كان عاش قيس الآن ولم يكن قبل مئات السنين؟ على الأرجح أن قيساً لن يخاطبَ جبل التوباد، ولن يكلف نفسه عناءَ الترحال بين الجزيرة العربية والشام والعراق واليمن لأنه يعرف أن ليسَ في البراري والوهاد إشاراتُ تواصل غير سلكية يرى بها ليلى ويسمع صوتها. إذاً هو يبقى في المدينة ويوماً بعد يوم تكل أنامله من التواصل بها، ولن يقول في وصالها بيتاً واحداً من الشعر!

ثم لن يستطيع أهل ليلى أن يحجبوها ويمنعوها منه لأنهما يعيشان في زمنٍ يرى العاشقون ويسمعون بعضهم من خلف الجُدُر. ولن يتمكن الرواة من نسج حكاياتِ ورسائلَ طلب القرب والوصال!

بَلُدَت المشاعر مع كثرةِ طرق التحدث والرؤية، إذ عندما كان الناس يسافرون في الماضي لا يتمكنون من الراحةِ في السفر إلا بعد سماع صوت من يحبون ولو في كلماتِ رسالةٍ لا تصل إلا بعد حين. الآن، مع وفرة ورخص وسائل التواصل يسافر المحبون والأهل وينام الجميع لياليَ وأيام دون أن يغويهم الاشتياق والبعد أن يسمعَوا صوتاً أو يروا صورة. عجيب هذا الزمان!

والأعجب من هذا الزمان أن حياةَ الحب تتولد من عدمِ الوصال!

ألاَ لَيْتَنَا كُنَّا غَزَالَيْنِ نَرْتَعِي

رياضاً من الحوذان في بلدٍ قفرِ

ألا ليتنا كَنَّا حَمَامَيْ مَفَازَةٍ

نطِيرُ ونَأوِي بِالعَشيِّ إلى وَكْرِ

ألا ليتنا حُوتاَنِ في البَحْرِ نَرتَمِي

إذا نَحْنُ أمْسَيْنَا نُلَجِّجُ فِي الْبَحْرِ
ويا ليتنا نَحْيا جَمِيعاً وليتنا   
نصيرُ إذا متنا ضجيعين في قبرِ
ضجيعين في قبر عن الناس مُعْزلٍ   
ونقرن يوم البعث والحشر والنشرِ

مستشار أعلى هندسة بترول