آخر تحديث: 28 / 3 / 2020م - 5:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

مفهوم الدين والتدين

أمير أبو خمسين صحيفة الرأي السعودي

تدور في أذهان الكثير من التساؤلات وهي بين ماهية الدين «الجوهر الثابت» الذي أتى به الله - سبحانه وتعالى - وبين ماهية التدين أو الثقافة الدينية «العرضي المتغير» الذي هو نتيجة لاجتهادات بشرية.

قد يسأل البعض: لماذا الحديث عن موضوع الدين والتدين؟ وهل يستحق أن يخصص لهما موضوع أم أن الموضوع هو نوع من الترف العلمي والفكري لا أقل ولا أكثر؟.

إن موضوع التفريق بين الدين والتدين من الموضوعات المهمة جدًا، وذلك من أجل حماية الدين نفسه وحماية الشريعة الإلهية، لذا نرى أن هناك الكثير من الكتاب والمفكرين الذين نادوا بحماية الدين من التدين، حيث إن آفة الأديان والشرائع السماوية هو التدين.

إذًا ما هو الدين وما التدين والفرق بينهما؟

الدين: هو الأحكام والتكاليف الصادرة من السماء والتي أنزلها الله على نبيه خالصًا نقيًا، بغض النظر عن تفسيرها وعن تأويلها وعن فهمها وعن تطبيقها وعن التجربة التي تنتج عنها مجتمعيًا، ويرجع أصل كلمة الدين إلى الفعل: دان، يدين، والدين مجموعة من المبادئ والسلوكيات والأخلاق التي يؤمن بها الإنسان ويعمل بها، ويعرف بعض الناس الدين على أنه مجموعة الأفكار والمعتقدات التي تقدم إجابات مقنعة على مجموعة من الأسئلة الوجودية المتعلقة بالله سبحانه وتعالى.

التدين: هو الفهم الخاص لنصوص الدين «الذي قد يكون متشددًا أو متساهلًا أو حتى خاطئًا»، وهو يختلف ويتعدد باختلاف وتعدد الأفهام والثقافات والعادات «مكانيًا وزمانيًا»، مما يؤدي إلى خلق الكثير من الأحكام والفتاوى - الظنية في الكثير منها - والتي تختلف وتتغير من زمان ومكان لآخر، فما كان محرمًا في يوم من الأيام أصبح الآن جائزًا والأمثلة في ذلك كثيرة، كما أنها تكتسب صبغة البلد الذي فيه «من عادات وتقاليد»، فالتدين والثقافة الدينية على سبيل المثال في بلد ما هي غيرها في بلد آخر وتختلف عما في بقية البلدان.

ومرد هذا التفاوت في فهم النص - من شخص لآخر ومن زمان لزمان آخر - وذلك لسببين:

1 - المجال المعرفي والمحيط الثقافي: فالناظر إلى النص محكوم بمنظومة المعارف التي يمتلكها والإمكانيات المعرفية المتوفرة في عصره، فالعالم والمجتهد الذي يكون ملمًا ومطلعًا على هذه الموارد العلمية والمعرفية الجديدة سوف يكون فهمه واستنباطه يختلف عن الذي يعيش بين علوم القرون السابقة فقط.

2 - الاختلاف والتفاوت في النظريات والعلوم المتبناة لفهم النص: فالعالم الذي يرى بأن الزمان والمكان لهما مدخلية في فهم النص هو غير ذلك العالم الذي لا يرى ذلك، وكذلك العالم الذي يرى أن لا مدخلية للعقل في فهم النص، حيث لا اجتهاد مقابل النص، وهل يكون هناك اجتهاد بغير وجود للنص؟ وكذلك بالنسبة لمدخلية العلوم الأخرى كالفلسفة والعرفان والعلوم الاجتماعية والإنسانية.

نعم هناك صعوبة في الفصل بين ما هو ديني وما هو تدين نتيجة لتراكم كم هائل من الرؤى والأحكام والاجتهادات حول النص الديني والتي أصبحت مع الأيام تعتبر جزءًا من النص، هذا التمازج والاختلاط جعل معظم الناس لا يفرقون بين ما هو حكم إلهي وبين ما هو اجتهاد بشري.