آخر تحديث: 26 / 2 / 2021م - 10:19 م

لهَّاية .. للكبـار فقط

هيلدا اسماعيل * صحيفة اليوم

حين كنّا أطفالاً، كان آباؤنا يتفنََّنون في إسكاتنا، يشيرون على النافذة، أو إلى السماء، أو نحو مكان بعيد، ويردّدون: «ارفع راسك، طالع فوووق.. شوف الطيارة!!»، لنرفع رأسنا ونتبع اشارة أصابعهم كلما تحرّكت، وماهي إلا دقائق ونهدأ، ثم ننسى لماذا كنّا نبكي أصلا، باحثين عن تلك الطائرة التي لم تكن أصلا هناك.

هذه اللعبة البريئة تشبه «اللهَّاية» التي تُشتّت انتباه الطفل عن والدته ريثما تنتهي من أعمال المنزل مثلاً وتفرغ لإرضاعه، فيظلُّ يمُصّ هذه «السكّاتة» على أمل أن يخرج إليه الحليب في أيّة لحظة، وأحياناً يفقد الأمل، يتعب، ثم ينام.

ومن المدهش أن هذه اللعبة تتحّول من براءتها التي اعتدنا عليها إلى لعبة ماكرة تُمارس على الكبار أيضاً.

في الحقيقة.. تتعدّد طُرق وأنواع اللهايات بين إعلام مفرقع، فنون هابطة، قضايا اقتصادية واجتماعية مفتعلة كي تلهينا، تسكتنا، وتصْرف نظرنا عن الفساد الحقيقي فننساه، أو نتناساه. بينما نتربّص بالتوافه والهوامش فقط، وننشحن غضباً وحميّة، ثم نطلع.. وننزل على «مافيش».

تتعدّد طُرق وأنواع اللهايات بين إعلام مفرقع، فنون هابطة، قضايا اقتصادية واجتماعية مفتعلة كي تلهينا، تسكتنا، وتصْرف نظرنا عن الفساد الحقيقي فننساه، أو نتناساه. بينما نتربّص بالتوافه والهوامش فقط، وننشحن غضباً وحميّة، ثم نطلع.. وننزل على «مافيش».كل يوم حكاية مصنوعة من المطَّاط يمُصُّها الناس، وكلّما بدؤوا في البكاء.. تم حشر «السكّاتة» في فمهم، من أجل إلهائهم عن القضايا الأساسية، وارفع راسك فوق، شوف.. شوف الطيارة،، و«هـوبّاااااا» ليتم تمرير الفساد الحقيقي.

وبالعودة لنا كأطفال، وحين دخلنا الروضة للمرة الأولى دون أمهاتنا، بكينا كثيراً، لكن سرعان ماشجّعونا باللعب بالدُّمى والمكعبات والسيارات التي نحّبها، وانخرطنا تدريجياً في مجتمعنا الصغير. وبالتأكيد إن إعطاءنا لعبةً ما لمساعدتنا على الهدوء، لايعني أننا نسينا أمهاتنا، ولكننا «إلتهينا» فقط.

وهكذا... شوف إمرأة تزوّج زوجها لطالبتها بالمدرسة الثانوية، شوف الفيلم المسيء عن أشرف الخَلق محمدٍ - عليه الصلاة والسلام - شوف الخادمة التي قتلت الطفلة، شوف كفشنا ٣٠ كيلو حشيش على الحدود، شوف الهيئة تقبض على سعودية في خلوة مع بنجلاديشي، شوف نجاة سبع معلمات من موت محقق، شوف ضبطنا مصاب بالإيدز يصطاد الشبان من المولات والكورنيش، شووووف، طالع فوق، فوووق في السماء، لكي لا ترى مايحدث حقاً على الأرض.