آخر تحديث: 25 / 2 / 2021م - 11:00 ص

الملائكة التي تشتهي ولا تجد!

نذير الماجد صحيفة القدس العربي

المرأة والوطن، كلاهما مأوى ولعنة، كلاهما يحث على الخيانة، المرأة وسادة طاردة والوطن حنين محرض، ومع ذلك فلابد من احتواء لمن لا يجد مكانا سوى لعنة الأم التي تفتك بأبنائها، احتواء هو في الآن نفسه هجر، هكذا تتأسس حتمية الانتماء ونكبات الحب، فإذا كان الحب كائنا رقيقا "يعبر بخفة فوق الرؤوس" فإن المواطنة والعشق اشتهاء مازوخي، إنهما استحقاق أو خاتمة لحفلة انسحاقات أو خيبات متتالية، لكن ثمة مقاربة سادية توطنت على التمرد والاعتراض على سادية الوطن ونرجسية المرأة الحاكمة. أو ترويضهما معا بريشة الساحر الذي ألف الطقس الشعري ومارس على إثره صنوف الغواية ليرد السحر على الساحر، تلك هي مقاربة الشاعر السعودي زكي الصدير في ديوانه الصادر أخيرا، والذي اختار له عنوانا محرضا ومستفزا هو "شهوة الملائكة".

العنوان لا يدل على المعنون إلا لتأكيد الخاصية السحرية للشعر حيث استعادة الروح للانغماس في متاهات الجسد و"كتله المتقاطرة" فالملائكية بكل ما تحمل من دلالة روحية متعالية هي سمة للجسد وحده، والشاعر لا يتورع في إضفاء الفضيلة الأفلاطونية على كل الاشتهاءات الملطخة بأوحال الجسد. يتلمس في الجسد حبا عذريا فيعيد الاحتفاء به بعدما همشته مأدبة أفلاطون، ولكنه احتفاء روحي، ارتفاع بالجسد إلى معنى تبجيلي ليس من شأنه بعد الآن خدش الحساسية المتعففة، الجسد ليس مرتعا للخطايا ولكنه معبد تمارس فيه الملائكة طقوس التعويذ! لا يتعمد الصدير صدم الحساسية الروحية رغم الإجحاف الظاهر لمكانة الملاك وقدسية مقامه، فهو يعكس الأدوار ليس لاعتياده طقوس السحر وشعوذة اللغة والكلمات العابثة وإنما لكي يلفت انتباه المتلقي إلى أن للجسد بما هو حساسية مكثفة شراكة مغيبة في تأثيث المعنى وتركيب القيمة. إن الجسد قبل الطقس والشهوة هو المعنى المنفي، يسعى شاعرنا إلى إعادته لوطنه. والعودة من المنفى هو ما يمارسه الصدير في اشتغالات طقسية كل همها هذا القلب والتقلب والانقلاب الذي يجعله مدخلا لديوانه: "إنه جسدي الذي لا أراه إلا من خلال شهواتي ورغائبي ونزواتي.. لا أراه إلا عندما يغامر معي ليكتشفني في أرضي أو أقوم أنا باكتشافه في أرضه".
الجسد غائب إذن، ومهمة الشاعر اعادة بنائه عبر اكتشافه، أو العودة به إلى أن يكون سكنا أو فردوسا أو جنة من الحواس جديرة بوطن. وهكذا فشهوة الملائكة هي الوطن المنفي، الوطن الذي يجد له حضورا مكثفا هنا، حضور يأتي بموازاة الحضور المشتهى للأنثى وغواياتها.

يتلمس الصدير اشتهاءات الملائكة في ثلاثة طقوس: الرغائب حيث للشهوة رداء غير اللغة وغير الجسد، إنه المكان أو الأفق الشاسع لعذابات وأحلام خائبة، ومنسيون "لم يتدربوا إلا على الخوف المعلب في الشوارع والبيوت" وانحباس دائم في تاريخ يوزع اللعنات "لا أحب الحرب لكني أراها كل يوم في زوايا بيتنا المسكون بالتاريخ" ووطن يحيله رائد الرغائب إلى جواز مرور لمنفى اختياري حيث الوطن في جيبه يحمله "كلما اعتزلت قصيدته الغناء بساحل الشرق الأنيق" لم يفلح الشاعر تماما في حجب سخطه ضد هطول المطر الحزين على أفقه ومكانه الذي هو مثل سجن يضيق برحابة روحه واتساعها، الرداء هو الوطن هنا، وعلى امتداد المجموعة الشعرية كلها، ومعاشرة النص مسح أو استعراض أيروتيكي لمواطن لقاء أو عتاب مع وطنه الذي اشتهى أن يكون. الوطن الذي يتكرر بمشتقاته وترادفاته كثيرا في معبد الشهوات، وهو تكرار يوحي بأن الشهوة تفتقد المحل، حتى تبدو أحيانا بلا موضوع، فهي سيرورة بحث، عطش لا يرتوي، إنها غرق في نهر يصب في أرض بعيدة أو غيمة ليس من شأنها أن تمطر أوطانا، بل تمطر حجارة: "قلبي على بلدي، بلادك من حجر، لكن لي أرضي ولي طيني، ولي هذا الفضاء الحر في سجني.. وماذا بعد؟ لي حلمي السماوي الكبير ولي قمر".
الرغائب تتوغل ثم تتوارى في جسد ينكفئ، فبعد اختتام طقوس الرغائب يأخذنا الشاعر إلى متاهات جسد يوشك على الاحتضار، ولكنه سرعان ما ينبعث مثل رماد طائر الفينيق، وبين انطفاء واحتراق يومض الشعر ويتخذ شكل الفلاشات التي استعان بها الصدير لتفكيك الرغبة، الجسد يومض كما تومض الروح، وينكفئ لاجتياز عتبات الذروة، ولكن الومض الخاطف من شأنه أن ينهك المتلقي فلا يجد راحته إلا في نثر مريح، لذلك كانت النثريات إلى جانب الومضات في مزيج تعمده الشاعر لكي يضمن للمتلقي رفقة ممتعة وتمهيدا مستمرا للولوج إلى "ظلمة الروح" وهو عنوان الطقس الأخير الذي خصصه شاعرنا لجسد لم يجربه.

لعل الصدير أدرك عند تحضيره لطقوسه أن للجسد مكانة يجب أن تستعاد، إذ يجعل من الجسد معبدا أوحدا للتنسك، ولكن بعد تصعيد مناخاته ليكون خليقا بذلك الكائن السماوي الذي هو في عطش دائم، وديمومة الظمأ مرسى للذة دائمة، حيث التعلق بأذيال الأبدية، والرفض لما هو زائف. الصدير يكسر في طقوسه تلك المرايا التي تعيد إنتاج الزيف في الفكر والسياسة والمجتمع، لابد من خدش تلك المرايا التي ليس بوسعها تصوير الرصاصة الساذجة التي التهمت نفسها، المرايا التي تكرس الإتباع في عالم افتراضي مجهض حيث يسود بدل الإبداع اجترار متأصل لـ"آل تويتر حفظهم الله" المرايا التي لا تتسع لذلك الحب المبتغى، الحب الذي يراه أفلاطون استعادة لكائن سماوي، هو ملاك حينا وشيطان حينا آخر، كائن هو عند المرأة ملاك "أشد غيضا من الحيوان"، كما يقول الكاتب المسرحي بيرندلو، وهو الحب المشتهى للغائب البعيد أو الشبيه المختلف، والذي يراه بوكوفسكي كلبا من الجحيم، لكنه في "شهوة الملائكة" جسد يتموضع بإزاء الروح أو ملاك يشتهي ولا يجد!.