آخر تحديث: 26 / 2 / 2021م - 7:49 م

الابتلاء بالتغرب.. والنزعات النقدية

الشيخ زكي الميلاد * صحيفة عكاظ

ما يريد جلال آل أحمد أن يقرره ويناقشه، ويعبر عنه كنظرية له، في كتابه «الابتلاء بالتغرب»، يتحدد في قوله: إننا لم نستطع أن نحافظ على شخصيتنا الثقافية والتاريخية في مواجهة الآلة وهجومها الحتمي، ولم ندرك ماهية الحضارة الغربية وأسسها وفلسفتها، وأخذنا نقلد الغرب شكلا، وفي الظاهر نستهلك آلاته، ولا نعرف أسرار نظمها وبنيتها، وما دمنا لم نصنع الآلة فنحن متغربون، وهذه سمة عصر من تاريخنا.

ومن هذه الجهة، فإن هذا الكتاب ينتمي إلى الأدب الناقد للغرب والحضارة الغربية، الأدب الذي حدد هويته، ورسم وجهته على أساس نقد الغرب الاستعماري والإمبريالي، ونقد المركزية الأوروبية، ونزعات الهيمنة والسيطرة وفرض التبعية، إلى جانب نقد سلوكيات التعالي، والإحساس بالتفوق على الآخرين.

وقد عبر عن هذا الأدب وتلون، بمشاركة نقاد ينتمون إلى مجتمعات وثقافات وديانات مختلفة، ومن هؤلاء النقاد البارزين: الناقد اللاتيني فرانز فانون صاحب كتاب «المعذبون في الأرض»، والناقد الهندي إعجاز أحمد صاحب كتاب «في النظرية.. الطبقات، القوميات، الآداب»، والناقد الفلسطيني إدوارد سعيد صاحب كتابي «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية»، والناقد المغربي محمد عزيز الحبابي صاحب كتاب «الغدية.. العالم الثالث يتهم»، والناقد المصري عبد الوهاب المسيري صاحب المؤلفات الكثيرة، والناقد الإيراني علي شريعتي صاحب كتاب «العودة إلى الذات»، ومن هؤلاء كذلك جلال آل أحمد.

ومن هذه الجهة أيضا، فإن آل أحمد عكس في كتابه، مزيجا من النزعات الفكرية التي مر بها وعايشها، وتأثر منها، في أطوار حياته الفكرية والسياسية، وتلتقي هذه النزعات وتشترك في نقد الغرب من كل جهاته.

فمن التجربة الشيوعية التي ارتبط بها آل أحمد، خلال الفترة ما بين «1944ــ1947م»، أخذ منها نزعة النقد الماركسي، ومن تجربته في حزب كادحي الشعب الإيراني التي ارتبط بها ما بين «1951ــ 1952م»، أخذ منها نزعة النقد الاجتماعي، النزعة التي تتخذ من المساواة والعدالة الاجتماعية ونبذ الطبقية والفوارق الاجتماعية مبدأ ووجهة لها.

ومن تجربته في حزب القوة الثالثة، أخذ آل أحمد منها نزعة النقد العالمثالثية، النزعة التي جعلت من العالم الثالث قضاياه ومشكلاته في التبعية والتخلف والتنمية والتحديث، في قبال الغرب وسياساته الاستعمارية والإمبريالية.

ومن تجربته مع الأدب الفرنسي النقدي، وخاصة مع ألبير كامو وساتر، اللذين ترجم لهما بعض أعمالهما، فقد ترجم عملين لكامو، هما رواية «الغريب» سنة 1949م، بالاشتراك مع الدكتور أصغر زاده، ورواية «سوء التفاهم» سنة 1950م وترجم لساتر «الأيدي القذرة» سنة 1952م، من هذه التجربة أخذ آل أحمد نزعة النقد الوجودي، التي تتخذ من الإنسان كينونة ووجودا وجهة لها.

ومن تجربته في العودة إلى الدين، في الشطر الأخير من حياته، أخذ منها آل أحمد نزعة النقد الديني، التي تتخذ من القيم والأخلاق والهوية وجهة لها.

التقاء هذه النزعات النقدية، واشتراكها هو ما يفسر الحساسية الشديدة عند آل أحمد في نقد الغرب والتغرب، بالصورة التي ظهرت وتجلت في كتابه «الابتلاء بالتغرب»، ومتى ما التقت هذه النزعات واشتركت، فإنها تنتج وتولد مثل هذا النمط من النقد السيال.

ومن جانب آخر، فإن هذا الكتاب يعد أحد أهم المؤلفات التي يؤرخ لها في نقد الغرب والتغرب في تاريخ تطور الأدب الإيراني المعاصر، ولا يمكن تجاوزه وتغافله من هذه الجهة، أو عدم الاقتراب منه بصورة من الصور.

وإذا لم يكن هذا الكتاب، من أسبق المؤلفات في نقد الغرب في الأدب الإيراني المعاصر، فهو من أكثر المؤلفات صرامة وجذرية من هذه الجهة النقدية، ولعله لا يكاد يجاريه كتاب آخر قبله وبعده في الأدب الإيراني المعاصر، بهذه الصرامة والجذرية في النقد، التي جعلته ينفرد ويتفرد بهذه السمة الفارقة.

ومن جانب ثالث، فإن هذا الكتاب يعد أحد أهم المؤلفات أيضا، التي كشفت عن مدى تغلغل واستشراء وباء التغرب في بنية المجتمع الإيراني الحديث، ومن أهم المؤلفات كذلك التي فتحت نقاشا وجدلا واسعا مستمرا حول هذا الوباء أو الابتلاء في ساحة الأدب الإيراني الحديث..

فقد حاول المؤلف تتبع هذا الوباء أو الابتلاء على الأصعدة كافة، الثقافية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وبذل جهدا واضحا في الكشف عنه، وفضحه وتعريته، وتسليط الضوء عليه، ووضعه تحت عدسة المجهر لتكبير صورته، وحتى يظهر على حقيقته، ومن أجل إخراجه من حالة التخفي والمخادعة، إلى حالة الانكشاف والظهور، وكأنه أراد أن يدق إسفينا منبها مجتمعه من خطر عظيم، هو الابتلاء بالتغرب.

كاتب وباحث سعودي «القطيف»