آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 5:05 م

يوميات العزل الصحي «21»

أثير السادة

كان الأمس كباقي الأيام التي مرت، رقم آخر في روزنامة العزل الصحي، تطاردنا فيه أرقام الضحايا الجدد لهذا المرض، وتقاسيم وجه الدكتور محمد العبدالعالي الجادة وهي تأخذنا بعيداً عن ترف الوقت المهدور في انتظار النهاية، يقرأ الاحصائيات فنحسبها نشرة أحوال الطقس في مدن الوطن، الرياض 41، جدة 18، القطيف 12، سيهات 1.. قائمة مرتبة من الأعلى إصابات إلى الأدنى، أدقق في آخر البيان، وآخر مدينة على خط المرض، مدينتي التي حاصرها عنوان العزل منذ البدايات، باعتبارها باب المحافظة، تطل الآن كمحطة جديدة مستقلة من محطات المرض.

فجأة تتسارع الأنفاس وأنا أقلب البيان مرة أخرى، بمثل ماتسارع الخبر في الانتشار عبر الرسائل، كأن ريح المرض للتو هبت على أبناء هذه البلدة، لا تستطيع أن تلغي هذا الشعور بالمسافة بين الوصفين، القطيف وسيهات، عند سكان الأخيرة، تلك التمايزات الهاربة من ذاكرة الناس، تجعل لكل إسم وقع مختلف عندهم، لذلك ينتابهم شعور بالمسافة بينهم وبين المرض حين لا يصل لمسامعهم خبر إصابة في حدود الدار. كانت قلوبهم تنبض بالقلق حتماً، كلما مرت من أمامهم أرقام المصابين في الجوار، يعرفون تماماً تلك الجغرافية الاجتماعية التي تحيل كل الإقليم إلى عائلة ممتدة، لكنهم يتركون في زاوية أخرى من القلب نافذة للطمأنينة، لكون المصابين من خارج الدائرة الضيقة.

للقلق أبواب كثيرة في يوميات المرض، وتسلل المرض إلى داخل البلدة الصغيرة هو باب آخر للقلق عند أهله، لا يمكن للفضول أن ينام في هكذا خبر، البحث مستمر عن المريض رقم صفر، أي أول الحاملين لوصف المريض السيهاتي، أول الروايات ستمضي إلى دخوله من نافذة الجوار، من تلك القرابات المفتوحة على طول الإقليم، على أمل أن يكون ذلك سبباً في طرد الظنون عن وجه المكان، لا وجه للتحقق من هذه الروايات، غير أن ثمة ما يشبه الدفاع عن الذات يطل منها، شيء من الاتكاء على الاعتقاد بارتفاع المكان وانخفاض ما سواه.. فحتى في لحظات التعاطف، يختار الواحد منا سلامته على سلامة الآخرين، ويدافع عن صورته قبل صور الآخرين.. هناك شعور يخاتلنا يشبه الشعور بالتطهر الذي يسري في داخلنا حين مشاهدة الأفلام والمسرحيات، ننظر لأرقام الآخرين ونشعر بالارتياح لبعدها عنا.

الخبر ترك ناس البلدة رهينة الإشاعات، بلغ حد الترويج لخبر إصابة أحدهم وتوزيع صورته، والطلب من مخالطيه ضرورة الإسراع للفحص، باعتباره المصاب المعلن عنه في البيان، في الوقت الذي قيل بأنه مازال ضمن الحجر الصحي داخل أحد الفنادق وينتظر نتائج الفحوصات للمرة الثانية، حالة الهلع كما يبدو وما تحمله من شعور بالارتباك والصدمة، تحولت إلى شهية مفتوحة للقبض على أي معلومة ترشد لهذا المريض، يمتلك الناس ما يكفي من المشاعر للتعاطف، بمثل ما يملكون نوازع للتوحش والبحث عن ضحية، لتبتعد صورة القطيف، وتحضر في أذهانهم صورة سيهات المسورة بأسوار متخيلة.. الطريق للمرض مفتوح، واحتمالاته حاضرة، غير أنه هذه المرة خيم بظلاله على بيوت الناس، ودفعهم للتفكير في إعادة حساباتهم وتحصيناتهم ضد هذا الوباء.

على الخريطة، تتشابه التضاريس، والشوارع، والعمران، أما في المخيلة فتبدو هذه التضاريس والمعالم أكثر تعقيداً، هنالك خرائط اجتماعية ونفسية ترسم هوامش التجربة الإنسانية، وحدود علاقتها مع الآخر، القريب والبعيد، المشابه والمخالف، تصورات عن الذات يجري وضعها دائماً بين قوسي امتياز، توسع من فضائل هذه الجماعة في قبال الجماعة الأخرى.. يمكن تلمس هذا النزوع للاتصال والانفصال معاً في هذه الأزمة، الانفصال جغرافياً عن حدود بؤرة المرض، والاتصال هوياتياً بهذه الحاضنة الاجتماعية والثقافية الواسعة.

هو المرض لاشيء غيره من يوحد الناس، ويجمعهم عند حدود الخوف منه، ينسيهم امتيازاتهم وسحناتهم، ويذكرهم فقط بعجزهم عن القبض عليه، والتخلص منه، البحث عن سبب خارجي لرميه بتهمة جلب المرض لن تجدي نفعاً، ولن تحمي أحداً، بل الإحساس بالمسئولية، والإصرار على مواجهة الحقيقة، هو الأجدى والأنفع، الحقيقة التي تفيد بوجودنا جميعاً في دائرة الخطر، وحاجتنا للعمل سوياً لدفع ما يمكن من ضرر، حتى لا يبقى الطريق طويلاً للخروج من هذا النفق، وحتى لا تأخذنا الثقة بالنفس لعدم احترام هذا الخصم الشرس.