آخر تحديث: 22 / 10 / 2020م - 8:46 ص

اقتصاد ما بعد كورونا «7»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الاقتصادية

رغم التقدم الذي تحقق في عديد من الدول، ومنها المملكة، في الحد من تفشي الجائحة، تبقى الحقيقة أن كورونا ما برح يعيث في المعمورة، فأرقام الإصابات تتصاعد يوميا بما يتجاوز 150 ألف إصابة، خلال هذا الأسبوع، حتى الآن تجاوز عدد ضحايا الفيروس نصف مليون نسمة عالميا. وما دام الفيروس بهذا النشاط، فيمكن الاستنتاج بداهة، أن إنهاء المنع لا يعني زوال خطر التفشي، بل هو الاضطرار للموازنة بين الاقتصاد والصحة، لتجنب الموت فقرا أو مرضا. هذه المواءمة بين مصلحتين هي ضرورة من الضرورات التي لا فكاك منها. فالبقاء في المنزل حتى للعمل عن بعد لن يحرك عجلة الإنتاج بما يكفي من تسارع ليوفر المعاش للجميع، فضلا عن أن شرائح واسعة ليس بإمكانها العمل من المنزل، بما في ذلك قطاعات واسعة وذات أهمية حرجة، منها كثير من الخدمات الحكومية، وفي المقدمة الأمن والرعاية الصحية والمرافق الضرورية، كالماء والكهرباء والاتصالات، ومنها كذلك قطاعات إنتاجية رئيسة، كصناعة النفط والغاز والصناعات الاستخراجية، فهي لا تمارس عن بعد ”من منازلهم“، بل لا بد من الاستخراج في الفيافي والقفار وفي مصانع الفصل وفي المصافي. والأمر كذلك في الصناعة التحويلية الأهم لدينا، وهي صناعة البتروكيماويات وصناعات البلاستيك والصناعات التعدينية.

لذا، فالنجاح في تحدي المواءمة بين ضرورتي الصحة والمعاش هو التحدي الرئيس في ظل الجائحة، وارتداء الكمام والحفاظ على التباعد الاجتماعي أثناء ممارسة النشاط الاقتصادي، هما مظهران للحضور الطاغي لهذا التحدي عند ممارسة أي فرد منا حياته خارج المنزل.

وهناك جانب آخر للتحدي هو التعاضد الاجتماعي لصد حدوث موجة ثانية من التفشي. وهذا تخوف يشغل العالم حاليا، باعتبار ما حدث من عودة إلى بؤر تفش في الصين وقبلها في سنغافورة. ولا يمكن إلا أخذ هذا الاحتمال على محمل الجد، وأن يلتزم كل منا بالاحترازات ما دامت هناك إصابات جديدة ترصد، فحدوث موجة ثانية - لا قدر الله - يعيدنا إلى المربع الأول، ويفقدنا وقتا لا يعوض نحو التعافي. وإن عدنا إلى التاريخ، نجد أن الموجة الثانية من الإنفلونزا الإسبانية 1918 - 1920 كانت أشد فتكا من الموجة الأولى، فعدد من قضى في الولايات المتحدة في تشرين الأول «أكتوبر» عام 1918 تجاوز 195 ألفا. كيف حدث ذلك؟ بقدوم مسافرين من مناطق موبوءة حاليا إلى مناطق كانت موبوءة. وهكذا، فالنهوض لتحدي المواءمة بين ضرورتي الصحة والمعاش لا يقوم فقط على تعقيم اليدين وارتداء كمام والتباعد مترين، بل كذلك على تقنين التنقل بين الدول والالتزام الصارم لإجراءات حجر القادمين من الخارج.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار