آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 12:21 ص

وهم الحقيقة المطلقة

عيسى العيد *

كل حقيقة يشعر بها أحد هي نسبية، إذ من يدعي بأنها مطلقة متوهم، فليس هناك حقيقة مطلقة لأنها قد تتغير في غير زمانها فالله سبحانه وتعالى هو المختص بالحقيقة المطلقة لا يشاركه أحد.

فلا يدعي العالم بما جاء به من علم هو النهاية إذ ليس فوقه علم آخر ولا حقيقة تعادله، والطبيب لا يجزم بأن ما وصفه من علاج هو الحق، فقد يوصف لك طبيب علاج معين لكن بعد فترة من الزمن يتضح بأن هذا الدواء لا يصح وكثير ما يحصل مثل ذلك، وكذلك الفقيه المختص بعلوم الشريعة يردف بعد كل مسألة والله العالم معترفا أنه ليس ما قاله جزما مطلقا، ففي المسألة الواحدة هناك تعدد في الآراء حولها وقد تتغير من وقت لأخر.

فقد تكون الحقيقة عند أحد ما صحيحة لكن غيره مختلف أمره، فلو كانت الحقيقة مطلقة لم يكن هناك اختلاف في الأفكار والآراء المطروحة ولبقي الناس في خمول وكسل حيث لا يحتاجون للبحث والتقصي، على العكس من ذلك إذا كانت الحقيقة نسبية سوف يكون الاختلاف الذي ينتج عنه البحث والتنقيب، ويصبح التدافع بين الناس للوصول إلى نتيجة معينة يؤنس النفوس لها، وتبقى متأرجحة بنسبيتها ليأتي عليها زمن يغيرها وهكذا.

حسناً ما شأن القيم العليا مثل الكرامة والحرية والعدالة وغيرها؟

إن القيم العليا مثل الحرية والعدالة والكرامة وغيرها هي حقيقة في ذاتها، لكن من حيث التطبيق لا يمكن الاتفاق عليها إذ إنها تختلف من زمان إلى آخر، وكذلك المكان فقد تكون كرامة الإنسان في بلد ما مختلفة في بلد آخر، كما أن نوع الحرية قد يجدها في مكان مختلف عن مكان آخر. لذلك لا يوجد جزم على أنها حقيقة مطلقة باستطاعة أي أحد ممارسة لتك القيم في كل مكان وزمان.

الادعاء بأن الحقيقة مطلقة ولا يمكن التنازل عنها هي أساس التصلب والتعصب، الذي ينتج عنه الصراعات التي تحصل خصوصا بين الأديان المختلفة، إذ كل جماعة تدعي بأنها تملك الحقيقة ولا يمكن التنازل عنها أو نقدها من أحد آخر، نشبت حروب طاحنة بسبب امتلاك الحقيقة المطلقة، على خلاف من ذلك لو أن استحسنا أن الحقيقة نسبية قد تتغير وقد تنهي مثلها مثل مؤلف كتاب في وقت كانت الأفكار سائدة، لكن على مرور الزمن انتهى وقتها حيث كانت حقيقة يعتمد عليها والاستئناس بها، واستمرت لوقت التي أصبحت لا تمكن الاعتماد عليها.

إذا لا أحد من جميع البشر يمتلك الحقيقة المطلقة أي كان علمه وتحصيله، لو أن أحد ادعى ذلك لكان في مصاف الله عز وجل الذي يمتلك الحقيقة ولا يشاركه فيها أحد.