آخر تحديث: 27 / 10 / 2020م - 4:08 م

يا ليتني كنت معهم - لمن تتحقق الأمنيات؟

منذ أن كنت صغيرًا أسمع في المجالس المحتشدة بالحضور واحدًا يتلو: يا ليتني كنتُ معهم فأفوزَ فوزًا عظيما، ويرد الحضور مجتمعين: يا ليتنا كنا معهم، فأقول في نفسي: هل يا ترى حقًّا كلنا؟ إذًا لن يخسر من معه هذا الحشد من الناس!

لكن الواقع يحكي أنه حين ينام القسطل ويهدأ غبار المعركة، أحد الفريقين انتصر والآخر خسر، وانتهى كلُّ حلم كان يحلم به وأملٍ يطمع فيه قبل القتال، تنفتح شهية من لم يحضر بالأمنيات لا غير.

في أغلب الصراعات وأصعبها يبقى الكثيرُ على الحياد ينظر يمنةً ويسرة فإذا خسر من يعد نفسه أنه منهم ابتهج بأنّه لم يشارك، ولم يعاين مشاهد الخسارة الرهيبة. وحين تصل الأخبار بفوزهم، يتبدل الموقف فتبدو الحسرة ويظهر عليه الندم، ثم وكأنّه من الغرباء يردد عبارات التأسف - يا ليتني كنت معكم - أسفًا على ما فات من الربح الوفير!

أمنياتٌ تنطلق من النظر إلى الأرباح التي حصل عليها من ضَرَبَ بالسيف وأصابه التعب أو نال منه الجراح، تمامًا كأي إنسان بعيد عن المعركة عندما يتمنى لنفسه الفضل المادي الذي خسره؛ فيقول وهو يعبّر عن الحسرة والندامة لفوات الفرصة عليه: يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيما!

على هذا فهل التاريخ لا يمكن قراءته معكوسًا، بمعنى أنه لو عدنا لبعض المشاريع التي انتهت وعرفنا فيها الخاسر والرابح وسمعنا أناسًا اليوم يقولون: ”يا ليتنا كنا معهم“ فنحن لا نستطيع معرفة كم منهم سوف يلتحقون بهذا الركب وكم سوف يلتحقون بذاك وكم منهم يقفون على مشارف التلال، ثم استشراف النتائج؟

يكاد يكون يقينًا أنه ما أشبه الليلةَ بالبارحة وأن التاريخَ يمكن قراءته عكسيا بأن لو عادت السنوات والمعارك للوراء واختلف المشاركون فيها فلن تتغير الاصطفافات، ما دامت لم تتغير بواطن الناس وسرائرهم.

ذات الأمنيات ذكرها الله في القرآن الكريم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُواْ جَمِيعاً * وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا ليتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً .

فيجب إلا تروعنا النتائج إذا علمنا أنها لم تتغير، فليست الأزمان إلا أوعيةً تحوي ما يصنع أهلها الذين عليهم إذا أرادوا تغيير واقعهم أن يغيروا قابليتهم واستعداداتهم للتغيير من الداخل وليس من الخارج.

إذ في كلِّ نواحي الحياة، الكثير على التل يتمنى والقليل يجزم ويفعل ويخوض نار القتال بصدق. وهكذا هي أحاديث النصر والغلبة دومًا تُحكى وتُروى عن القلة التي تغير التاريخ. وحتمًا يأتي من بعدهم قلة أيضًا يقولون فعلاً وبصدق: يا ليتنا كنا معهم فنفوز فوزًا عظيما! وفي أيٍّ من مشاريعِ الحياة العظيمة لن يتحقق الفوز على أيدي الكثرة الخائرة والواهنة العزيمة، بل يتحقق بسواعد القلة القوية المتماسكة المتراصة.

مستشار أعلى هندسة بترول