آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 4:57 م

أنا معلم متقاعد

محمد الحرز * صحيفة اليوم

قضيت أكثر من ثلاثين سنة كمعلم للمرحلة الابتدائية، وهذه المدة تعتبر طويلة نسبيا، في مهنة مثل مهنة التعليم، بالخصوص في مراحلها التأسيسية. لأنه سيكون عليك أن تنهض بأدوار، لا يقتصر فيها على دورك كمعلم فقط، بل سيكون عليك أن تكون في ذات الوقت مربيا وأبا وموظفا دون أن ينسيك ذلك الجانب الإداري والمكتبي من وظيفتك.

يضاف إلى ذلك، أن التعامل مع صغار السن يتطلب استعدادا نفسيا وذهنيا بشكل دائم وبصورة يومية. لذلك دائما ما تكون المعادلة صعبة في أذهان المعلمين، حينما يطلب منهم أن يوازنوا بين كونهم مربين وبين كونهم معلمين، بين أن يرسموا لأبنائهم الطلاب من خلالهم صورة مثالية عن القيم التربوية والاجتماعية والدينية التي ينبغي أن تتأصل في شخصية كل طالب، وبين أن يتناولوا الدروس وفق منهج محدد وطرق دراسية ملزمة وعلاقات تحكمها قوانين ونظم إدارية صارمة.

هذه جملة من الأسباب، وليست كلها تفرض علينا القول بصعوبة مهنة التدريس في مرحلتها الابتدائية، وعليه من يدخل في هذه المهنة، يكون عمره الافتراضي فيها لا يتجاوز عقدين من الزمن على أكثر تقدير، إذا ما قسنا ذلك كله على حجم المخرجات التعليمية المؤثرة على أي بلد، والتي بالنهاية يتحمل المعلم المسؤولية الكبرى منها.

صادف تقاعدي هذه السنة من التعليم أن الدراسة أصبحت عن بعد بسبب جائحة كورونا، لذلك لم أشعر بفارق كبير بين ما قبل التقاعد أو ما بعده، فالاستنفار في التباعد الاجتماعي والحذر من الإصابة بالفيروس شغل مساحة كبيرة من هموم الناس وحياتهم اليومية، وجعل مناسبة مثل حدث التقاعد عن العمل تبدو مجرد تفاصيل صغيرة عابرة لا تذكر إزاء التوجس العام الذي أصاب الناس.

لكني هنا لا أريد أن أثقل بال القارئ بتفاصيل لا تهمه حول الشعور بمسألة التقاعد، بل أريد أن أتساءل معه عن وضع المعلم في مرحلة التقاعد، لماذا لا يستفاد من طاقات هؤلاء وخبرتهم التعليمية؟ والكلام موجه بالدرجة الأولى إلى وزارة التربية والتعليم.

هناك معلمون يمتلكون الخبرة في الميدان التعليمي سواء على مستوى التعامل مع الطلبة أو على مستوى تقييم المناهج من منظور المعايشة اليومية للطالب، إذ بمجرد تقاعدهم، تنقطع صلتهم بالوزارة، فتذهب خبرتهم أدراج الرياح، ولا يستفاد منها.

فلماذا لا تبادر الوزارة بعمل مجالس استشارية يتم اختيار أعضائها من المعلمين المتقاعدين المشهود لهم بالكفاءة العالية والخبرة المتميزة والعطاء اللامحدود والتفاني في حبه، وذلك في كل محافظة؟

خصوصا إذا ما علمنا أن الكوادر التعليمية، فئة المعلمين والمعلمات، في وزارة التربية والتعليم من أكثر القطاعات عددا مقارنة بأي وزارة أخرى، وعليه يزداد سنويا عدد المتقاعدين بما يتناسب وحجم القطاع. لكن للأسف يذهب المتقاعد إلى الصمت بعدما كانت حنجرته تمرست على الكلام يوميا. ليس تأسفا على الراحة التي يستحقها بعد جهد السنين. لكن أسفي على صمت الوزارة التي للآن لم تحاول الاستفادة منهم بالقدر المطلوب.

تصادف أحدهم حين يعلم أنك على وشك التقاعد، فيبادرك ماذا تصنع بعد التقاعد؟! وكأنه يقول لك: لا شيء سوف يصيبك الملل والضجر، وسوف تشعر لاحقا بالأسف على ما جنته يداك بالتقاعد.

هذه الفكرة أجدها عند الكثير من المعلمين، على الأقل من الذين أعرفهم أو تواصلت معهم، ربما تختلف دوافعهم وتتباين من شخص إلى آخر، البعض دافعه مادي بسبب الظروف. لكن الأغلب كان الهم الأكبر عنده هو فراغ ما بعد التقاعد. لكنني كنت أرد في دخيلة نفسي على هؤلاء: يكفي أنني أتحرر من شيء اسمه الوظيفة. لكن فراغ ما بعد التقاعد هو حقيقة قائمة، لا ينبغي تغافل مرارتها على كلا الطرفين: الوزارة من جهة، والمعلم من جهة أخرى.