آخر تحديث: 23 / 10 / 2020م - 6:05 ص

مع شخصيات الفكر والأدب - الأستاذ إبراهيم سلمان بوخمسين «4»

ناصر حسين المشرف *

الكتابة بين التأليف والتحقيق

أحببت أن اترجم هذه التراكمات من العمل والنشاط الاجتماعي الى أرض الواقع، حيث رأيت نفسي تميل الى حب الكتابة والبحث، ساعدني على ذلك الدورات والورش التعليمية التي ذكرت بعضها في الحلقة الأولى فخامرتني فكرة اعداد كتاب عن الدعاء يتضمن كل ما يخص الدعاء من معانيه وروحانيته واسبابه واركانه وحالات الداعي وهكذا....

طبعا لم تكن المصادر متوفرة مثل اليوم. ولكن العزم والجد يجعل العسير يسيرا والله يوفق في مثل هذه الأمور. انتهيت من بحثي سنة 1415 هـ وعرضت الكتاب على أحد طلبة العلوم ليكتب لي مقدمة له فأرجع لي البحث ومن ورائه ابتسامة ساخرة ولكن لم يفت ذلك في عضدي فعرضت البحث على آية الله الدكتور عبدالهادي الفضلي فقدم له مشكورا مقدمة تليق بالكتاب وانا ممنونا له وأعتبرها تاجا على رأسي اذ أنه من الرواد في تشجيع النشأ والجيل الجديد، ومما جاء في مقدمته ”صورة # 1“: ”وإن دراسة الدعاء في ظلال معرفة فلسفته وتعرّف آدابه والوقوف على آثاره النفسية نمط مهم من الدراسة تقتضيه متطورات الحياة المعاصرة بما تزخر به من عوامل جَرَّ الإنسان إلى الماديات جزاً عنيفاً، وذلك لنكون بمستوى الكلمة الداعية، وفي طريق أداء رسالتنا الإسلامية العادلة. هذا ما دعا المؤلف للقيام بهذه الدراسة الموفقة“.

لا تزال ورقة التقديم الأصلية موجودة، كما لا تزال مسودات الكتاب ”صورة # 2“ موجودة عندي. طبع الكتاب ”صورة رقم 3“ في لبنان وتكفلت به احد المكتبات بمملكة البحرين ببيعه، وأدخلت نسخا منه.

هذا العمل فتح قريحتي لعمل أدبي آخر. فبعد أن انتقل العلامة الشيخ باقر بوخمسين الى بارئه سنة 1413 هـ  عرفنا أن لدية مخطوطات تصل تعدادها الى العشرين، منها أدبي ومنها علمي ومنها تاريخي ومنها فلكي وغيرها من الفنون.

بعد زيارتي لمكتبته بحي المزرع وقع في يدي مخطوط ”صورة # 4“ يتكون أربعة ابواب: ”طرائف وظرائف“ ”التخميسات والتشطير“، ”الموشحات“ ”وغريب اللغة ومأنوسها“.

أيضا مخطوطا آخر اسمه مختارات من كشكول الشيخ عبدالله الوايل ابن علي ادرجته كباب خامس. استأذنت سماحة العلامة الشيخ حسن في تحقيقها وعرضت عليه بأن أسميه الكشكول الهجري ”صورة # 5“ فنال ذلك استحسانه. عكفت على تحقيقه مدة ست سنوات اذ كان المخطوط بلا مراجع ولا فهرسة. ولم تكن الشبكة العنكبوتية موجودة حينها فكنت أزور المكتبات ابحث عن المعلومة فزرت مكتبة جامعة الملك فيصل بالأحساء ومكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض وكثير من المكتبات بالدمام وبعض المكتبات خارج المملكة.

كنت اذ زرت مكتبة اسأل صاحبها عن دواوين الشعر القديمة فيقول لي ربما تجدها في هذه الزاوية في مجموعة هذه الكتب وفعلا ابحث فيها فأجد ضالتي. والحقيقة يقال بأن عملية التحقيق تحتاج الى جهد كبير لا يقل جهدا عن تأليف كتاب اذ يحتاج ذلك الى البحث عن المادة ومقارنتها بالمادة الموجودة وتبيين مواضع الاختلاف وتهميش المرجع ومعاني الكلمات والشروح. يحتاج الى كتابته من جديد فصعوبة الخط ولأنها جاءت من ذاكرة الكاتب ما حفظه فتتطلب المزيد من المراجعة عدة مرات وعرضه على عين ثانية وثالثة وهذه ما حدث بالفعل بحيث قمت أنا وزوجتي بعملية المراجعة، ساعدنا في ذلك سماحة العلامة الشيخ حسين بوخمسين والشاعر الكبير المرحوم محمد حسين الرمضان ”بو سمير“

انتج هذا الجهد عن كشكول عدد صفحاته 485 صفحة سنة 1419 هـ . اقترح علي الأخ وابن العم المهندس رياض بن الشيخ باقر بوخمسين بأن نأخذ كشكول والده الى سماحة العلامة الشيخ عبد الحميد الخطي قاضي الأوقاف والمواريث بالقطيف حيث انه كان زميل دراسة وصحبة دامت نصف قرن مع سماحة العلامة الشيخ باقر بوخمسين فرحب بذلك وكتب فيه تقديم ضافي ”صورة # 6“ ومما جاء فيه: ”إن لم يأتي هذا الكشكول في المقدمة فإنه لا يأتي في المؤخرة ومما جاء فيه“ وقد قرأته وأعجبت بأسلوبه المتميز، إن لم أقل فوجئت بهذا الأسلوب الخلاب، الذي هو أبعد ما يكون عن هيكل الشيخ ذي العمة والجبة والعباءة، فمن يقرأ ولا يعرف الشيخ يظنه أسلوب شاب متخرج من أكاديميات العصر الحديث.

وتوجد عندي صورة من أصل المخطوطة، مع المسودات التي عملت عليها.

طبع الكشكول طبعة محلية سنة 1419 هـ، والطبعة الثانية طبع في لبنان سنة 1428 هـ.

توجد ترجمة لهذه الكتب في موسوعة معجم المؤلفات الشيعية في الجزيرة العربية للشيخ حبيب آل جميع.

في سنة 1419 هـ تم تعيين زوجتي للتدريس بمدينة نجران وكانت تجربة جديدة وشاقة اذ كان ذلك مباشرة بعد انتقالنا الى منزلنا الجديد حيث مكثت هناك ثمان سنوات مرت بحلوها ومرها صاحبتها وشائج وآهات من الطرفين فبعد المسافة والفراق يترك لوعة في القلب وخواطر جياشة، تولد ذلك المخاض عن كتاب جميل للكاتبة وفاء علي بوخمسين أسمته ”بين واحتين“ وقطع شعرية ضمها الكتاب كما ضمنت فيه تجربتها ومما جاء في أحدى أبوابه خواطر ومشاعر خاصة بالمرحلة:

”الأخدود“:

هناك خلف الأسلاك الشائكة

مدينة كاملة من السكون والموت

هناك حضارة تحت الثرى، لم يبرز منها إلا القليل، أنا سوف آخذ حفنة من هذا التراب من تراب الأخدود لأن في ذراته قلب الأم المؤمنة....

سوف آخذها معي عندما أرحل وأشم رائحتها وأطلب من ربي بحق هذا القلب المؤمن ان تردني إلى أحبابي، إلى ترتبي الذي نشأت عليها، أنا لا أريد أن أموت وأدفن هنا وبعض اجزائي هناك.....

أيتها الأم الحنون سوف يلتم شملنا على ظهرك أو تحت ثراك الطيب.

ومن هذا الباب جاء أيضا:

كتبها لزوجته خلال نزولها من نجران في إجازة نصف العام لسنة 1420 هـ:

اوفاء طال الغياب.... فعز الصديق وقل الصحاب

وسلوتي عني غابت.... فقل صبري وعز الخطاب

حبيبتي لو تعلمين.... كم تواجهنا هي الصعاب

ومنزل نحن فيه.... كغريب تعاوره اكتئاب

كالبلبل تشدين فيه.... صادحة الأفنان عذاب

ما إن تذكرت الليالي.... وتيك الشفاه وذاك الرضاب

يا روح المعالي

هذه القصيدة نُشِرت في جريدة الرياض بتقديم المهندس يوسف الحسن بعد

مرور ثماني سنوات على وجود زوجته في نجران يخاطب بها معالي وزير

التعليم «محمد أحمد الرشيد» راجياً إياه أن يساعده في نقلها إلى منطقتها وهذا جزء منها:

شكوت إليك بعد الله حالي

لتنقل زوجتي وتريح بالي

ثمانية من الأعوام عجف

قضتها في الجنوب بغير والي

لقد رقت لها نجران حتى

تصدع بالأسى قلب الجبال

فهل يرضيك أن أبقى وحيداً

أداري نصف درزن من عيالي

صرفت راتبي قرشاً فقرشاً

أجوراً واستحال الجيب خالي

وأدمنت القروض بكل بنكٍ

يمد يد الجواب إلى سؤالي

ولو أوتيت أجنحة لطارت

إلى نجران روحي للوصالِ

ذات الأكمام:

يا محلاها من جلسه... بذات النخل والسعفه

بذات الأكمام نلقاكم... مساء اليوم في لهفه

شكلت لي جلسة ذات الأكمام ”7“ مجموعة صور لرواد ذات الأكمام ”انعطافة جديدة في حياتي إذ ربطتني بعلاقات واسعة من أطياف المجتمع وحافظت على علاقاتي القديمة. وهنا لا أنسى أن أشكر سماحة العلامة الشيخ حسن بن الشيخ باقر الذي تفضل عليَّ بهذه المزرعة في قرية الشهارين. تأسست هذه الجلسة قبل سبعة عشر سنة بمشاركة كل من الأخ المهندس السيد عبدالكريم المسلم والمرحوم نوري محمد بوخمسين والشيخ حسن عبدالهادي بوخمسين“ ابو هادي ”ثم بعد ذلك توسعت بحضور الأحبة: المهندس أحمد عبدالرسول الصحاف الذي كان من الملازمين للجلسة، والسيد علي باقر الموسوي «والمهندس يوسف أحمد بوخمسين وإخوانه منصور وحسين“ ابو طارق ”والشيخ سامي»، وسامي أحمد الرمضان والمرحوم السيد نبيه الشخص، والمهندس أحمد المطر والمهندس عباس الشيخ باقر بوخمسين والأستاذ عبدالمحسن بوخمسين“ ابو جليل ”و الأستاذ عبدالله بوحليقة“ ابو عمار ”، والمهندس أمير البحراني «والمهندس عبدالرحيم البخيتان والمهندس عبدالله الزين والمهندس جواد الجاسم وهم رفقاء عمل لعقد من الزمن» ومن روادها المهندس محمد الجبران“ ابو ابراهيم ”وابن عمه راضي الجبران، والمهندس جواد الخويتم“ ابا سامي ”ومنهم الأخ بديل الفهيد والدكتور محمد صالح بوخمسين والدكتور أحمد الحمادة والأستاذ عبدالوهاب الحمد ومنصور الصحاف والوجيه“ ابوهشام " جواد الهلال، والأستاذ فؤاد البغلي وغيرهم.......

ولم تخلو الجلسة من زيارات تشريفية لنا من بعض المشايخ كسماحة المرحوم الشيخ حسن بوخمسين وسماحة الشيخ حسين بوخمسين وسماحة الشيخ حبيب الهديبي والشيخ حبيب آل جميع صاحب موسوعة معجم المؤلفات الشيعية في الجزيرة العربية وغيرهم كما لم تخلو من زيارات لبعض الشعراء والأدباء والكتاب.

كانت جلستنا وما زالت ليلة الثلاثاء من كل اسبوع ولم تتوقف الا عند جائحة كورونا نسأل الله أن نفتحها قريبا. كثيرا هي المواضيع والحوارات الأخوية في شتى ميادين المعرفة والفكر والثقافة ومستجدات الساحة تطرح من هنا وهناك ولا تخلو من نكتة هنا وملح هناك اذ أنهم ممن عَذُبَ في مَعينِ المُعامَلَةِ شِربُهُم وَطابَ في مَجلِسِ الاُنسِ سِرُّهُم وَأمِنَ في مَوطِنِ المَخافَةِ سِربُهُم. الأحبة كلهم جميلة ارواحهم رقيقة قلوبهم يألفون ويؤلفون ملتزمين بقوله ﷺ الأمانة بالمجالس.

صورة # 1


 

صورة # 2


 

صورة # 3


 

صورة # 4 مخطوط الكشكول


 

صورة # 5


 

صورة # 6 " تقديم العلامة الشيخ الخطي "


 

7- صور لرواد جلسة ذات الأكمام




 

يتبع...