آخر تحديث: 5 / 12 / 2020م - 1:34 ص

محموص التفوق

محمد أحمد التاروتي *

تفاعلت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الايام الماضية كثيرا، مع تصدر مدارس الثانوية العامة ”للبنين - البنات“ بالقطيف، قوائم اعلى الدرجات في امتحانات القدرات، خصوصا وان احتلال 6 مدارس ضمن افضل 10 مدارس على مستوى المملكة، يشكل ظاهرة غير اعتيادية، الامر الذي دفع البعض لمحاولة الوقوف على اسباب التفوق لدى طلبة وطالبات القطيف، بحيث تساءل البعض عن سر التفوق لمدارس البنين والبنات على حد سواء، مما احال تلك الاسئلة الى نوع من التندر، عبر وضع اسباب عديدة، بعضها ذات علاقة بطريقة التعامل مع الدراسة، والبعض الاخر مرتبط بالكادر التعليمي، بيد ان عبارة ”المحموص“ وضعت نفسها بقوة، في قائمة اكثر الكلمات المتداولة، خلال تداول الخبر على وسائل التواصل الاجتماعي.

ركوب قطار التفوق الدراسي ليس متاحا للجميع، فامتلاك تذكرة احدى المقاعد في القطار، يتطلب الكثير من الجهد والمزيد من السهر، والمزيد من التعامل بجدية كبرى، خصوصا وان الاستهتار ومحاولة الاعتماد على الاخرين يمثل قمة الفشل، والخروج من السباق خالي الوفاض، وبالتالي فان الحرص على التفوق مرتبط بالدرجة الأولى، بالمبادرة الذاتية لدى الطالب، وكذلك توافر البيئة المثالية لتحقيق التفوق الدراسي، وبالتالي فان السر يكمن في النظرة الى الدراسة، وكذلك العمل على تحقيق الحلم المستقبلي، فالعملية ليست خاضعة للحظ، او متروكة للركض وراء السراب، الامر الذي يتطلب منذ البداية العمل على رسم هدف مستقبلي، في سبيل الوصول اليه عبر الطرق المشروعة، والمنسجمة مع متطلبات الحياة، والابتعاد عن الاحلام الوردية، التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

غرس حب التعليم في الابناء منذ البداية، يعطي نتائج كبيرة، فالاسرة تمتلك احد المفاتيح الاساسية في رسم المستقبل لدى الابناء، من خلال التعامل بشفافية عالية، والعمل على التعامل، بمسؤولية مع الابناء منذ البداية، لاسيما وان محاولة التعامل بعنف واجبار يولد حالة من النفور تجاه التعليم، مما يستدعي العمل على ازاحة كافة انواع النفور، من النفوس طيلة المراحل الدراسية، خصوصا وان الاثار المترتبة على عملية الاجبار تكون نتائجها وخيمة، ولا تخدم الوطن في المستقبل، فالبلاد تراهن على الاجيال الناشئة في مواصل مشوار العطاء، والتقدم في مختلف المناحي، من خلال تهيئة جيل متسلح بالعلم، لمواجهة التحديات المستقبلية.

الرغبة الذاتية لدى الطلبة في تحقيق الذات، والاصرار على التفوق، وقهر كافة العوامل الخارجية، من اهم العوامل المساعدة في تحقيق اعلى الدرجات طيلة المراحل الدراسية، فالطالب المثابر والمجتهد يتحرك باتجاه ارضاء الذات، والابتعاد عن الفشل بواسطة الاهتمام الكبير بالدراسة منذ البداية، لاسيما وان التهاون والتراخي يترك اثارا سلبية على المسيرة التعليمية، مما يتطلب انتهاج وسيلة الاجتهاد الدائم، وتحمل المسؤولية تجاه الثقة الملقاة عليه، لاسيما وان الاسرة تحاول اعطاء الابناء مساحة من الحرية، للتحرك بعيدا عن العيون الرقابية، بهدف رزع الدافع الذاتي تجاه المستقبل، خصوصا وان الدراسة تمثل المرحلة الاساسية لمشوار الحياة المستقبلي، الامر الذي يتطلب وضع الامور في النصاب السليم بعيدا عن الرقابة الاسرية.

الكادر التعليمي يشكل احد العناصر الأساسية، وراء توفير المناخ الدراسي المثالي للبروز، فالمدرسة تمثل الحاضنة الاساسية للتلاميذ منذ اليوم الأول، لبدء مشوار معترك الحياة، بمعنى اخر، فاذا استطاعت المدرسة اكتساب ثقة الطالب على الدوام، وتحفيزه على الانطلاق والاجتهاد، فانه سيلعب دورا كبيرا في مواجهة الصعاب على اختلافها، من خلال التحرك وفق تطلعات الكادر التدريس على الدوام، بهدف رسم صورة جميلة في عيون المدرسة باستمرار، بواسطة تحيق اعلى الدرجات في الامتحانات، الامر الذي ينعكس على مواصلة مشوار التحفيز، والتشجيع للسير قدما، في تحطيم الحواجز المادية والمعنوية، التي تعترض طريق الوصول الى الاهداف الكبرى.

تحقيق مراكز متقدمة لمدارس القطيف، في نتائج القدرات على مستوى المملكة، يمثل نتيجة لسلسلة من الجهود المشتركة المبذولة، سواء في الاطار الاسري، او داخل بيئة المدرسة، وكذلك نتيجة الاجتهاد الذاتي للنجاح، وبالتالي فان توافر هذه العوامل يخلق الكثير من النتائج الباهرة، ويخدم الامال الكبيرة المعقودة، على الاجيال الناشئة لخدمة الوطن، في كافة المجالات الحياتية، ”إنكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين فتعلموا العلم فمن يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته“.

كاتب صحفي