آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 4:02 م

وهم الانتصار

محمد أحمد التاروتي *

اصطناع الانتصار لعبة يتقنها ”المنهزمون“ في المعارك الحياتية، بهدف تغطية الفشل الذريع، والتواري خلف ”اكاذيب“، ليست قادرة على الصمود في وجه الحقيقية، فهذه الفئة تدرك جيدا تبعات الهزيمة سواء على الاطار الشخصي او الاجتماعي، مما يدفعها لممارسة ادوار ”وهمية“ لايصال رسائل مغلوطة لمختلف الاطراف، الامر الذي يسهم في تخفيف وطأة الهزيمة من جانب، ومحاولة الخروج من الاحراج الكبير من جانب اخر، لاسيما وان تداعيات الهزيمة ستبقى محفورة في الذاكرة الاجتماعية لفترة طويلة، مما يستدعي العمل على ازالة تلك الاثار من البيئة الاجتماعية بطرق مختلفة، من اجل الحفاظ على الكثير من المكاسب الاجتماعية.

الهزيمة مرتبطة أحيانا بالمكابرة وتارة اخرى بعدم الاستمتاع الى الاراء وثالثة برفض النصائح من الاطراف الاخرى، فالاعتزاز بالنفس بطريقة خاطئة يدخل هذه الشريحة في متاهات صعبة، ”قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى? وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ“، وبالتالي فان الدخول في المعارك دون الاستعداد التام، والحرص على قراءة الخصم بطريقة كاملة، فضلا عن الافتقار للاسلحة المناسبة، عناصر اساسية في تذوق طعم الهزيمة من الخصم، فالمعارك بحاجة الى ادوات عديدة، لمواصلة المعركة لفترة طويلة، بهدف تحقيق الانتصار باقل الخسائر، بالاضافة للقدرة على حسم المعركة خلال فترة قصيرة، فيما ستكون الامور اكثر تعقيدا مع الدخول بالمعركة، دون امتلاك الادوات اللازمة، الامر الذي يمثل انتكاسة كبرى ستمتد اثارها لفترة طويلة، مما ينعكس على الوضع الاجتماعي لهذه الشريحة.

الخشية من ردة الفعل الاجتماعي، تدفع لانتهاج طريق ”الانتصارات الوهمية“، لتفادي ”الغضب“ الكبير جراء غياب الادارة غير المتكافئة للمعركة مع الخصم، خصوصا وان السقوط الكبير يخلق الكثير من المشاكل على الصعيد الذاتي، مما يدفع لمواصلة مشوار ”الخداع“ الاجتماعي، لاحداث اختراقات في البيئة الاجتماعية، لاسيما وان التسليم بالهزيمة وكشف الحقائق دون مواربة، ستخلف ردود افعال غير متوقعة، بحيث تسهم في فقدان بعض المكاسب الشخصية، وبالتالي فان ”الانتصارات الوهمية“ تمثل وسيلة العاجز، ومحاولة فاشلة للحفاظ على ”ماء الوجه“، لاسيما وان وقع الهزيمة كبير على مدعي البطولية، ومدعي القدرات الهائلة لقهر الاعداء في مختلف المعارك الحياتية.

محاولة الخروج من مأزق الهزيمة برسم سيناريو ”الانتصار“، تحمل في طياتها الكثير من المخاطر، لاسيما وان ”حبل الكذب قصير“، مما يجعل عملية تمرير هذه الانتصارات الوهمية غير مضمونة النتائج، لاسيما وان ”الكاذب يقع في شر اعماله“، وبالتالي فان التعامل بمصداقية واعتماد الشفافية التامة، يشكل مدخلا لامتصاص ردات الفعل العنيفة، خصوصا وان الخسارة ليست نهاية المطاف، مما يفتح الطريق للتعرف على نقاط الضعف، ومحاولة تصحيح المسار الخاطئ، مما يساعد في اكتشاف الكثير من الامور الخافية، الامر الذي يمهد الطريق لتحويل الهزيمة المفاجئة، الى انتصار في المعارك القادم.

الابتعاد عن المكابرة والحرص على الاستعانة باراء الاخرين، بالاضافة للاستفادة من التجارب السابقة، عوامل اساسية لتكريس الانتصارات الحقيقية، خصوصا وان ادارة المعارك تتطلب الكثير من الاعمال والمزيد من الجهود، فهي لا تعتمد على الاعمال الفردية او الاستفراد بالقرارات، نظرا لخطورة اتخاذ هذه المسالك على الصعيد الاجتماعي، مما يتطلب توطين الذات على الاستفادة من الاخرين، بهدف التوصل الى القرارات الصائبة، التي تسهم في ادارة الصراعات بالطريقة المناسبة، بمعنى اخر، فان الحركة الاحادية ليست قادرة على تحقيق الانجازات على الارض، بقدر ما تكشف الكثير من العيوب وتظهر الاستفراد بالقرارات، بحيث تؤدي للوقوع في الاخطاء الكارثية، مما يساعد الخصم على استغلالها لتوجيه ضربات موجعة، الامر الذي يؤدي للاستسلام واعلان الهزيمة في نهاية المطاف.

وهم الانتصار مرض قاتل يصيب بعض الشرائح الاجتماعي، فهذه الفئات تحاول الدخول في مواجهة غير متكافئة مع مختلف الفئات الاجتماعية، من خلال رسم انتصارات غير حقيقية، نتيجة عدم قدرتها على مواجهة الواقع، ورفض التسليم بالفشل الذريع، في المعركة الدائرة على الارض.

كاتب صحفي