آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 9:36 م

المقالة المطبخية

محمد الحرز * صحيفة اليوم

بالنسبة لي الدخول إلى المطبخ يشبه الدخول إلى معركة وأنت في حالة يرثى لها، لا تملك لا سلاحا ولا خوذة ولا رفقاء يحمونك من الخطر. تصور حالتك وحيدا وأعزل إلا من رغبة تساورك منذ مدة كي تطبخ غداء لك، بينما زوجتك لا تعلم بالمغامرة التي مقدم عليها الآن بعدما جربتك في مناسبات سابقة، واقتنعت أنني لا أجيد سوى شيئين، بعد خبرة طويلة فيهما بالطبع هما البيض المسلوق أو الأومليت.

منذ صغري لم يحتل المطبخ مساحة في ذهني، ناهيك عن المساحة التي يحتلها في بيتنا القديم، مثلما هو الحال في كل البيوت القديمة في حارات الأحساء، فقد كان لا يتجاوز مترين في ثلاثة، لا يكفي سوى أسطوانة غاز صغيرة، ولصقها تماما موقد بشعلتين، وما تبقى من مساحة، وبالذات في زواياه، يتكدس بعضها فوق بعض الرز والعدس والسكر والملح والزيت والطماطم والبهارات في أوان نحاسية نسميها باللهجة الدارجة «اماعين» وتكون محكمة الإغلاق، حتى لا تقع. أما الرفوف المصنوعة من الخشب التي توضع فوقها بقية أدوات الطبخ، عادة ما يكون موضعها قريبا من السقف، حتى لا تكون في متناول يد الأطفال، وحتى لا تضيق المساحة المتبقية للطبخ، فهو لا يتسع في هذه الحالة إلا لشخص واحد فقط.

أووووه كم كنت دائما أفكر في أمي مع بقية الأمهات اللائي كانت مطابخهن لا تتسع لسواهن ولا حتى لظلالهن إذا ما ارتفع وقت الضحى وأصبحت الشمس تتسلل بقوة إلى زوايا البيت. وكأن ظلالهن محكوم عليها أن تبقى وحيدة خارج المطبخ، بينما هن استعضن بأدوات الطبخ عن ظلالهن، ومن فرط هذه الاستعاضة، والقدرة الكامنة في تأثيرها، والعالم الذي صنعنه من مخيلة هذا التأثير، تراهن في أغلب الأحيان يؤرخن الأحداث المهمة التي تقع في حياتهن اليومية بتواريخ لها علاقة بتلك الأدوات.

أتذكر - مثلا - حينما كنت أسأل أمي عن تلك الحادثة التي وقع فيها فجأة الجزء الشرقي من جدار بيتنا القديم حتى كاد يقضي علينا ونحن جالسون تحته. لكن «لطف الله كان أسرع» عبارة كان يرددها جدي دائما على مسامعنا حتى علقت في ذاكرتي وما زالت وما عداها من تفاصيل تلاشى؟

كانت تجيبني بطريقة يمكن وصفها بالاستثنائية: تركز نظرها بحدة على عروق باطن يديها، بعد أن تخلع نظارتها، ثم تقول: لولا قدور المطبخ التي سقطت قبل سقوط الجدار بثوان معدودة، وصوت رنينها العالي الذي نبهنا إلى أن نتحرك بسرعة، لما استطعنا النجاة.

لقد كان يظهر على ملامح وجهها دون أن تفصح حقيقة أنها كانت تؤمن في دخيلة نفسها أن هذه القدور كانت تملك روحا، وقد تحركت في إنقاذنا، لأن حياة كاملة مع هذه الأدوات كانت تشفع لأن يكون إيمانها بهذه الصورة.

كبرت وقد كبرت معها في ذهني فكرة أن المطبخ عالم مقدس مرتبط فقط بالأم، ولا يمكن العبث أو الاقتراب من فضائه، وحينما كان أحدهم يسألني: هل تعرف أن تطبخ؟! كنت أجد السؤال غريبا نوعا ما، لماذا؟!! هذا من اختصاص النساء، ومجرد السؤال عنه هو تعد على مقدسات الغير التي لا يجوز التطرق إليها، حتى ولو بالسؤال.

كبرت وعرفت أيضا - كما تقول زوجتي -: أن المطبخ ليس مقدسا فحسب، بل من صنع أمجاده هم الرجال أيضا.

كبرت.. لكن فاتني الكثير لأتعلم ماذا يعني المطبخ للثقافة التي أنتمي لها؟ أمي والأمهات جميعا أدركن بحسهن الفطري المرتبط بالحياة اليومية مفردات هذه الثقافة دون لغة متعالية على واقعهن.