آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 9:36 م

لماذا فشلت الحركات الاحتجاجية العربية؟

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

قرابة شهرين من هذا التاريخ، تفصلنا عن ذكرى اندلاع أول حركة احتجاجية، أخذت مكانها في تونس، في 17 ديسمبر/ كانون الأول، عام 2010 فيما عرفت لاحقاً بثورات «الربيع العربي». لقد انتشرت تلك الحركات كالهشيم، في عدد من البلدان العربية، وتم لجمها، أو التحايل عليها في بعض الأقطار العربية، وتسببت بانهيار أوطان، كما في اليمن، وليبيا، وسوريا. وحتى في البلدان التي تمكنت فيها من تغيير الأنظمة السياسية، لم تتمكن من تحقيق أي من الأهداف التي بشرت بها. فلماذا نجحت الثورات الاجتماعية في بلدان أخرى، وفشلت بالوطن العربي؟

كشفت الثورات الاجتماعية الكبرى عن مسلّمة تاريخية، خلاصتها أن التحولات الاجتماعية الكبرى لا تنبثق من فراغ، بل هي نتاج تراكم وتفاعل في المجتمعات التي يستهدفها التغيير. وفي أغلب الأحوال، يسبق لحظة التحول صخب، وغليان، وتحولات فكرية وفلسفية، وبروز مناهج سياسية مغايرة، تمثل مرحلة التبشير بالتحول المرتقب. تلك مسلّمات طبعت ثورات انجلترا، وفرنسا، وروسيان والصين، حيث جاءت التحركات الثورية، مدعومة بأفكار، وقيادات، وهياكل، قادت عملية التغيير.

لقد مرت بلدان أوروبا التي شهدت الثورات الاجتماعية، بمرحلة تبشير وإعداد، وبرامج سياسية، ألقت بظلالها على مختلف الأنشطة الفلسفية، والفكرية، والأدبية، وجميع أنواع الفنون، بما في ذلك الرواية، والشعر، والموسيقى. ولم تكن مرحلة الرومانسية، أو السريالية في الأدب الأوروبي، أو الواقعية، ومسرح اللامعقول، والفن التجريدي، والواقعية الجديدة، سوى إرهاصات ومؤشرات على أن أوروبا مقبلة على تحولات كبرى، تنقل مجتمعاتها من النظام البطركي إلى القوانين الوضعية والعلاقات التعاقدية.

في حين غابت هذه الأنشطة في التحولات التي التي عرفت مجازاً ب «الربيع العربي». صحيح أن الحراك الشعبي العربي جعل أمتنا على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، لا تزال تفاعلاتها مستمرة، حتى يومنا هذا. لكن محصلة ذلك، هو تولي عناصر ناكسة مسؤولية القيادة في معظم تلك البلدان، ليغيب مع غياب البرامج السياسية والفكرية لهذا الحراك، الطابع الحداثي في هذه التحولات. وكان ذلك بديهياً في حالة الغياب شبه المطلق للبرامج والحواضن السياسية والاجتماعية في هذه التحولات.

الأفكار، كما أشرنا، لا تنتج من فراغ، بل هي في المبتدأ، والخبر، استجابة لواقع موضوعي، يمنحها المشروعية وصفة التقدم. وللأسف، فإن الأمة مرت بمرحلة تنوير منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. والمعضلة أن عصر التنوير كان صدى واهناً لتحولات دراماتيكية في المجتمعات الأوروبية، نقلنا عنها أفكار الحرية، والعدل، والإخاء، والمساواة، من دون توطينها في الواقع العربي، وكان غياب ذلك هو الوجه الآخر لضعف الهياكل الاجتماعية العربية، وانهيار الطبقة الرأسمالية المحلية، وغياب الطبقة المتوسطة بفعل الصعود الكاسح للاقتصاد الأوروبي، وقدرته على تدمير الصناعات الحرفية في حوض المتوسط، بسبب توافد المنتجات الأوروبية رخيصة السعر، وتدمير عدد من الموانئ العربية، التي كان لها دور في رفد اقتصادات مصر، وبلاد الشام. فكانت النتيجة نكسات متتالية مروعة شهدتها مراكز النهضة، وعبر عنها بوضوح فشل ثورة 1919 في مصر، وثورة العشرين في العراق، وثورة 1936 في فلسطين.

ولم يبق في الساحة العربية في مراكز النهضة سوى بقايا العالم التجاري، والفئات الريفية، والوجاهات، وقد تصرفت كوريث للثقافة التقليدية، وليس كحامل للواء التنوير، لتعيش حالة انفصام مركبة. فهي لم تتمكن من القطع مع الماضي، ولم تعلن موقفاً واضحاً تجاه ثقافة المستقبل. وجاء خطابها عاطفياً ومشحوناً بتوتراتها، وتجاذباتها. وكنتيجة طبيعية لذلك، التزمت بموقف سلبي من الدولة الوطنية، ولم تقدم جواباً شافياً لرؤيتها لمفهوم الأمة. وتأثرت بالتنظير الأوروبي حول مسألة الأمة، حيث اللغة هي فصل الختام في تشكل الأمم الأوروبية، وغاب الحديث عن الجغرافيا، والمواطنة، والدولة المدنية. وحين جرى الحديث عن التاريخ والثقافة المشتركة كعناصر أخرى من مكونات الأمة، كانت الإحالة واضحة إلى الناطقين بالعربية فقط.

خلاصة القول، أن ضعف الهياكل الاجتماعية، وعدم وجود الحواضن الفكرية والسياسية للتحول الاجتماعي، وانشغال التنويريين العرب بتجاذبات اللحظة غيّبت جميعاً، التراكم الفكري التاريخي، الذي هو شرط أي تحول سياسي حقيقي. وحين جاء إعصار «الخريف العربي» بعد هذه العقود الطويلة، لم يجد أرضية فكرية تحتويه وتقوده، كان التجريف السياسي كبيراً. وليس سراً أن قوى خارجية عاتية استمرأت العبث بمقدرات أمتنا، وجهت هذا الحراك، بما يخدم أهدافها، واستراتيجياتها، وبما يسهم في استمرار سطوتها وهيمنتها. فكانت النتيجة الفشل الذريع لهذا الحراك، واستمرار أزمة الشرعية العربية.