آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 1:34 م

الحليف الوفي

محمد أحمد التاروتي *

السند الوفي والمتفاني في الدفاع عن صديقه ”عملة نادرة“ من جهة وضرورة اساسية لتجاوز الكثير من المطبات الحياتية من جهة اخرى، خصوصا وان عملية الصمود في وجه التيارات العاتية ليست مستمرة على الدوام، نظرا لمحدودية الطاقة البشرية وامكانية الاستسلام بعد فترة، سواء كانت قصيرة او طويلة، الامر الذي يستدعي ايجاد قنوات مساندة لتقديم الدعم سواء المعنوي او المادي، من اجل الوقوف لاطول فترة ممكنة في مقاومة الضغوط الحياتية على اختلافها، فالصمود احيانا مرتبط بوجود الظهر القوي القادر على توفير الحماية اللازمة، لمواجهة الظروف الاجتماعية القاهرة.

البحث عن الحليف الصادق عنصر اساسي في عملية البناء الاجتماعي، لاسيما وان الافتقار للعناصر الوفية حجر عثرة، في تحقيق الكثير من الاهداف المرسومة، فالحليف المؤتمن بمثابة ”صندوق اسرار“ وجدار وثيق، للاستفادة منه في اوقات الرخاء والشدة، من خلال تقديم المشورة الحكيمة والثبات في مختلف الاوقات، الامر الذي يعطي دفعات قوية ادارة معركة الحياة، مع مختلف الاطراف المتنافسة او المناوئة، وبالتالي فان الحليف الصادق يحدث اثرا قويا في طريقة التحرك، جراء وجود عنصر قادر على التدخل في الاوقات الحرجة.

قيمة السند المتفاني تظهر في مختلف الاوقات، فهو يبادر لتقديم المعونة، والمساعدة انطلاقا من الرابط الاخلاقي، خصوصا وان العلاقة الوطيدة تدفع باتجاه الشعور المتبادل، بمختلف المطبات والمشاكل الحياتية، مما يستدعي التدخل المباشر وعدم انتظار طلب المعونة، بمعنى اخر، فان وجود الحليف الصادق قيمة مادية ومعنوية، يصعب تصورها على الاطلاق، خصوصا وان التداعيات المترتبة على التحالف الصادق تظهر على السلوك الخارجي، من خلال ايجاد الارضية المشتركة للانخراط بشكل متزامن، في المشاكل والعمل ايجاد الحلول المناسبة، ورفض مبدأ ”قَالُوا يَا مُوسَى? إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ? فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ“، فهذه الثقافة ليست موجود في القاموس الاخلاقي لدى الحليف الصادق، نظرا لوجود مرتكزات داعمة لمبدأ التحرك الإيجابي، والمتفاني في سبيل خدمة الحليف، بغض النظر على الاثار المترتبة على الانخراط المباشر، في اتون المشاكل سواء الشخصية او الاجتماعية.

التفريط في الحليف الصادق يكشف الافتقار للحكمة، وعدم القدرة على الاختيار الصائب، فالاختلاف في الاراء ليس مدعاة للتنازل عن السند المؤتمن، ”صديقُك من صدَقَك لا من صدَّقك“ و”رحم الله امرئ اهدى الي عيوبي“، وبالتالي فان الاراء ليس حلوة المذاق على الدوام، فهناك وجهات نظر تتسم بالمرارة الشديدة، ولكنها اكثر فائدة من الاراء ذات المذاق الحلو، خصوصا وان تجرع المرارة لفترة قصيرة خير من الشعور بالحسرة لزمن طويل، وبالتالي فان محاولة فك الارتباط مع الحليف الصادق بمجرد الاختلاف في وجهات النظر، بمثابة خسارة كبيرة يصعب تعويضها، لاسيما وان المواقف النبيلة تكشف معادن الرجال، مما يستدعي التحرك وفق منهجية الرؤية الصادقة، بعيدا عن العواطف الكاذبة.

التوافق الثقافي والمشتركات القيمية عناصر أساسية، في توثيق عرى التحالف الصادق، لاسيما وان تباين المبادئ يدفع الامور في الاتجاه المعاكس، ويقضي على التحالفات سريعا، مما يستدعي البحث عن العناصر المشتركة، والمحركات الداعمة بالدرجة الاولى، خصوصا وان المصاعب الحياتية تمثل الاختبار الحقيقي، لقدرة التحالف على تجاوز المحن، الامر الذي يمهد الطريق امام ظهور ”حليف صادق“ او يكشف عن عيوب جوهرية في اختيار الحليف، وبالتالي فان العملية مرهونة بالقواسم المشتركة، وليست مرتبطة بالارادة الصادقة احيانا، فهناك الكثير من المبادرات الانسانية تنطلق من ارادات حقيقية، ولكنها سرعان ما تتلاشى، جراء فقدان المقومات الداعمة، لاستمراريتها على ارض الواقع، الامر الذي يؤدي لانفراط عقد تلك العلاقة الإنسانية، ويقطع حبل الود بين الحلفاء.

الحليف الصادق يشكل سيف لقطع القيود، التي تعرقل مسيرة الانسان في الحياة، فهذا السيف بامكانه التدخل في الاوقات الحرجة، لازاحة جميع العثرات من الطريق، مما يساعد في استمرارية المسيرة الحياتية، ويعطب جميع المخططات الساعية، لايقاف حركة البناء الاجتماعي، لاسيما وان الحليف الوفي يعطي المرء طاقة مادية ومعنوية كبرى، للتحرك بالاتجاه المرسومة، بعيدا عن الافخاخ التي تنصب على الدوام.

كاتب صحفي