آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 9:28 ص

في 25 ثانية الشاعر السيد الشخص مع السيدة زينب

محمد آل قرين

فقط في 25 ثانية

تجد مساحات شاسعة من الوعي العميق المصاغ في هذه المقطوعة المقتطعة من نص طويل استمعت له كاملا من جناب الأديب السيد هاشم الشخص غير مرة..

وفي كل مرة أزداد تفاعلا وانفعالا مع هذا الجرس والإيقاع العالي والمتمظهر بملامحه الكلاسيكية الفخمة والوقورة، التي تعود طرية غضة متجددة كلما قرئت مرة تلو أخرى بسبب المعاني المتجاوزة حدود مفرداتها الظاهرة إلى قيعان أكثر عمقًا على المستوى الدلالي..

هذه ال 25 ثانية

تضمنت ثلاثة أبيات تتمظهر على رقعتها ومساحتها الضيقة حالات وأطوار وسلب وإثبات وتوجع وتحسر ورفعة وشموخ وثبات واستكناه وإهمال جانب الحواس استجابة للحدس وغير ذلك مما تترك هذه الدلالات مساحات كبرى تقول الكثير الكثير عبر اللغة الإحالية المكتوبة بها:

يشرع الشاعر بقوله:

”فلا زينب بالأمس شجّت جبينها“ «سلب» مؤداه الصمود والصبر.

”ولا استسلمت للضعف بين الجحافل“ «نفي» مؤداه القوة والمقاومة وانتصار الجانب الإلهي وإن قلّ على الجانب الطاغوتي وإن كثر. قال تعالى: ”كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله..“ وفي آية أخرى: ”والله يؤيد بنصره من يشاء“

وكما قال السيد حيدر الحلي في نونيته واصفا هيبة الحسين حتى وهو في تلك الحال المريعة:

فما أجلت الحرب عن مثله
جديلا يجبّن فرسانها

ومعجزة الصبر الزينبي وإن كانت مفردا عدديًّا وحيدة فهي من حيث العدة بين جحافل طغيان الباطل فبعدة الحق يصبح عددها أقوى وأكثر؛ حتى يحجّم تلك الجحافل.. وهنا أستأنس بقول أبي نواس:

ليس على الله بمستنكرٍ
أن يجمع العالم في واحدِ.

إذن ”زينب الله“ ليست واحدا كما قال أبو نواس، بل كما أشار مهدي جناح الكاظمي في قصيدته التي حملت عنوان ”أسيرة الله“ والمنشورة على موقع الميزان يقول:

هي أحمد، هي حيدر، هي فاطم
بصفاتها هي زينب. وكفى بها

وأسيرة والدهر من أسرائها
سلطانة والشمس من حجابها

ثم يقول شاعرنا السيد الشخص:

”عزيز علينا أن يُقال جزوعة.. فشامخ رضوى مجده غير زائل“

وههنا يرتفع إيقاع التحسر والتأمل بسبب الفعل الذي بناه للمجهول وفي هذا التركيب إشارات عديدة من أوضحها أن من يقول بجزع أو ضعف ووهن جبل الصمود والصبر الزينبي فهو مجهول ولا يُعرف أمام الثابت والراسخ رسوخ الأعلام كجبل رضوى.

ويقول الأديب السيد الشخص في نهاية مقطوعته:

”وإن زينب لم تحمل الورد كفها.. فقد حملت والله ورد الشمائل“

وههنا يحاول السيد أبو ياسر أن - لا أقول إنه العبث بالواقع على النحو السوريالي - يستكنه الواقع ليعيد تشكيله بإظهار الحقيقة مجلوة، وهو يضرب بذلك

نموذجًا للشعر الرسولي والذي يتضمن خطابه الفكر والرؤية المنبعثة عن جانب القيم الفكرية والحقائق التاريخية في الوقت وتلمس فيه نزعة رومانسية فنية، من خلال الهروب والقفز لماوراء الواقع المادي،

فزينب وقت الأسر كانت القيود في معصميها، لكن الشاعر يستكنه تلك اللحظة، ليخرج من دائرة الحس ولوجًا إلى دائرة الحدس؛ فيرى الزهور والورد المفوف يظهر في شمائلها التي ورثتها من الجمال العلوي في الزهراء وأبيها المرتضى، متكئا على الذاكرة الضوئية

وهو لم يغرق في رومانسية ذاتية مفرطة على حساب الجانب الفكري المنبعث من الإطار القيمي والثوابت والمبادئ العاكسة للحقيقة التي قد يشوهها الآخرون عندما تشط العاطفة بهم فينسبون للذوات القدسية المتمثلة في شخوص أهل البيت ومن لف لفهم وتعلق بهم وركب سفينتهم ما لا يليق بهم وإنْ بحسن نية.