آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 9:29 م

الافتراء

محمد أحمد التاروتي *

يتخذ البعض الاختلاف غطاء لممارسة ”الفجور“، وتجاوز جميع الخطوط الأخلاقية، من خلال الافتراء غير المنضبط وغير العقلاني على الاخر، فهو يجد الاختلاف فرصة سانحة لإلصاق جميع التهم، وخلق الأكاذيب تجاه الطرف الاخر، الامر الذي يخرج الاختلاف من سياقه الأخلاقي، ويضعه في خانة أخرى لا تمت لطبيعة الاختلافات البشرية بصلة تماما، بحيث يتجلى في سلسلة الممارسات ”الصادمة“، وغير المتوقعة على الاطلاق، وبالتالي فان مبدأ الانصاف يختفي تماما، مما ينسف الخصومة الشريفة بشكل كامل، لاسيما وان ممارسة حرية التفكير حق مكفول للجميع.

الاختلافات بمختلف أنواعها عملية طبيعية، وليست مستغربة، فيما يتعلق بالاجتهادات البشرية، فالعملية مرتبطة بطبيعة التفكير، وطريقة معالجة القضايا، مما يدفع لانتهاج بعض الاليات، سواء كانت متوافقة مع المنهج العلمي، او غير منسجمة مع السياق المتعارف عليه، الامر الذي يسهم في بروز بعض الاختلافات التي تبدأ ضمن النطاق الضيق، ولكنها سرعان ما تتسع لتخرج عن الدائرة المحدودة، لتفرض نفسها بقوة لدى الرأي العام الاجتماعي، مما يدفع بعض الأطراف لانتهاج الوسيلة ”الرخيصة“، عبر انتهاج ”الافتراء“ لتسجيل بعض النقاط، ومحاولة الانتصار بطريقة غير أخلاقية، وبالتالي فان الاختلاف الطبيعي والمتعارف، يتسبب في التنازل عن القيم الأخلاقية، عبر وضع المبادئ جانبا، والركون الى النوازع الشيطانية الخبيثة.

القصور في ادراك مرامي الغايات الحقيقية، وعدم القدرة على مقارعة الحجة بالحجة، والافتقار للادوات اللازمة، للالتزام بادب الاختلاف، عناصر أساسية في انتهاج وسيلة الافتراء، بهدف الانتصار للباطل، عوضا من الاحتكام للمبادئ الأخلاقية، خصوصا وان الشعور بالضعف وعدم إمكانية تحقيق الانتصار، سواء في الميدان العلمي او الساحة الاجتماعية، يدفع لانتهاج الوسائل الرخيصة، سواء لاثارة الرأي العام الاجتماعي، او محاولة حرف الاختلاف عن المسارات الطبيعية، والعمل جر الخصم باتجاهات أخرى غير مطلوبة، وبالتالي فان ظهور بوادر الهزيمة يشكل احدى العناصر الأساسية، وراء اتخاذ مسار ”الافتراء“ في الاختلاف.

الصوت المرتفع احد الأساليب المستخدمة لاسكات الخصم، فالتمدد الافقي والعمودي للخصم، والقدرة على تحطيم كافة الحواجز المنصوبة في الطريق، تحدث حالة من الهيجان لدى الطرف الأخر، مما يدفع لاستخدام ”الظاهرة الصوتية“، كنوع من اثبات الذات والبقاء لفترة محددة، من خلال رفع الصوت عاليا في وجه الخصم، من خلال استخدام كافة الأساليب المشروعة، وغير المشروعة، لايصال الصوت للبيئة الاجتماعية، خصوصا وان إبقاء الاختلاف ضمن الدائرة العلمية يعري هذه الفئة، ويدفعها للاستسلام والتسليم بالهزيمة، مما يحفز لاستبدال أدوات الصراع، ومحاولة ادخال البيئة الاجتماعية، كطرف ضاغط في المعركة القائمة، وبالتالي محاولة التواري خلق الوسط الاجتماعي، للهروب من الهزيمة المحققة، بمعنى اخر، فان الافتراء ليس هدفا بقدر ما يكشف الهزيمة الداخلية من جانب، ومحاولة الاستفادة من عنصر العاطفة لاثارة القاعدة الشعبية من جانب اخر، مما يحقق بعض الانتصارات المؤقتة، ويؤخر الهزيمة العلمية لبعض الوقت.

الافتراء ليس قادرا على القضاء على الخصم بشكل نهائي، فالعملية مرهونة بمستوى الوعي الاجتماعي، والقدرة على التمييز بين الحقائق والأكاذيب، مما يجعل تمرير تلك الافتراءات مهمة ليست سهلة على الاطلاق، نظرا لوجود تفاوت كبير في الوعي الاجتماعي، فاذا استطاعت الماكنة الإعلامية السيطرة على العقل الجمعي لفترة، فانها ليست قادرة على ممارسة الهيمنة الكاملة لزمن طويل، انطلاقا من مبدأ ”حبل الكذب قصير“ و”ما يصح الا الصحيح“، فالذاكرة الاجتماعية قادرة على استعادة وعيها بعد فترة معينة، سواء نتيجة الأخطاء الكارثية التي يرتكبها أصحاب ”الافتراء“، او بسبب مقاومة الخصم لمختلف أنواع الافتراءات، مما يجعله قادرا على تفنيد جميع الدعايات والأكاذيب، الامر الذي يسهم في استعادة جانب من التوازن في الوعي الاجتماعي، بحيث يدفع الطرف ”المفتري“ ثمن جريمته على الصعيد الشخصي، من خلال فقدان القدرة على التمدد، وانحسار السيطرة على الوعي العقلي، ”يقع في شر اعماله“.

الاختلاف ظاهرة صحية وممارسة إنسانية مألوفة، باعتبارها احدى الوسائل لاثارة دفائن العقول، وطريقة تكشف مدى الالتزام بالقيم الأخلاقية، خصوصا وان الاختلاف يعطي مساحات واسعة لرؤية الأمور بزوايا مختلفة، بعيدا عن الجمود والاستسلام لاجتهادات محددة، فالعقل البشري قادر على مواكبة الزمن.

كاتب صحفي