آخر تحديث: 7 / 3 / 2021م - 12:47 م

في الذكرى العاشرة للاحتلال.. العراق إلى أين؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

في التاسع عشر من من شهر مارس 2003، دشنت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بعض حليفاتها وخصوصا بريطانيا، الحرب على العراق عبر شن غارات جوية وصاروخية مكثفة ومدمرة استهدفت تجمعات القوات، ومواقع السيطرة والقيادة، وخطوط الاتصال والإمدادات العسكرية العراقية كما شملت مرافق البنية التحتية كالجسور والطرق والكهرباء ومحطات الإذاعة والتلفزيون، تبعه ورافقه تدخل قواتها البرية، وفي 8 أبريل / نيسان، الذي يصادف ذكرى تأسيس حزب البعث الحاكم جرى احتلال بغداد، وأعلن عن سقوط النظام السابق. الحجة التي استندت إليها الولايات المتحدة لتبرير غزوها العراق «علما بأن خطة الغزو كانت مبيتة قبل سنوات» هو دعمه للإرهاب وتحالفه مع تنظيم القاعدة.

وقبل كل شيء امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، غير أنه بعد البحث والتنقيب لعدة أشهر، لم يثبت أي من تلك الادعاءات، بما في ذلك مزاعم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وجرى الاعتراف الأمريكي لاحقا، بأن الصور والمعلومات المسربة لتدعيم الرواية الأمريكية، كانت باطلة وملفقة، وذلك بهدف الحصول على موافقة الكونغرس الأمريكي على شن الحرب وتمويل نفقاتها.

وكذلك إقناع الرأي العام في داخل الولايات المتحدة والعالم، بمدى خطورة النظام العراقي على جيرانه «إسرائيل تحديدا» وعلى الأمن والسلم في عموم المنطقة والعالم. صورت الإدارة الأمريكية وأجهزتها الدعائية، عملية غزو واحتلال العراق، بمثابة تحرير للشعب العراقي من براثن حكم ديكتاتوري / استبدادي «ولا جدال في طبيعة النظام» وبأن عراقا جديدا وديمقراطيا ومزدهرا سيتشكل ويقوم على أنقاض النظام السابق، بل إن هذا العراق سيكون ملهما ومثالا لبقية دول وشعوب المنطقة أو ما كان متداولا من قبل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن وإدارته اليمينية «المحافظون الجدد» المتطرفة بمصطلح قيام الشرق الأوسط الجديد. لم يكن مستغربا سقوط النظام العراقي بسرعة، وذلك لا يعود لعدم كفاءته العسكرية و«السياسية» وتخل أسلحته، مقارنه بالتفوق العسكري والتقني والاستخباراتي واللوجستي المطلق للقوات الأمريكية والبريطانية فقط، بل لأن النظام العراقي افتقد قبل كل شيء للقاعدة الشعبية العريضة الملتفة حوله.

وإلا كيف نفسر صمود وانتصار الشعب الفيتنامي، بإمكانياته المتواضعة والبسيطة، على القوات الأمريكية المدججة بالسلاح المتطور والعتاد الفتاك، مع وجود أكثر من نصف مليون من جنودها، ومع ما أحدثته من تدمير هائل طال الأرض والحرث والنسل، ولا تزال آثاره المهولة بادية حتى الآن في شمال وجنوب فيتنام، غير أن ذلك لم يجد نفعا أمام تماسك الجبهة الداخلية المتحدة، وامتلاك الشعب لإرادة القتال ولمقومات التضحية والتحدي والصمود، حيث انتهت الحرب بهزيمة مذلة للولايات المتحدة في عام 1975.

كما سقط نظامها التابع في جنوب فيتنام وذلك بعد مرور قرابة العقد من الزمن على اندلاع الحرب. هناك تجارب عربية مماثلة في العصر الحديث، مثل مواجهة العدوان الثلاثي على مصر، وحرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، والحرب الشعبية في جنوب اليمن ضد السيطرة البريطانية، وكذلك ما حصل في جنوب لبنان وقطاع غزة في مواجهة العدوان والاحتلال الإسرائيلي المتفوق بشكل كامل في العديد والعدة. المثل العربي القائل تمخض الجبل فولد فأرا ينطبق تماما على النموذج العراقي «الجديد» المسوق أمريكيا.

لقد سقط من جراء الغزو واستمرار الاحتلال وتبعات الصراع الداخلي والحرب الأهلية مئات الآلاف من القتلى والمعاقين، وعشرات الآلاف من المعتقلين كما خلفت أكثر من مليون أرملة عراقية، وأكثر من أربعة ملايين مهجر في الداخل والخارج، ناهيك عن تدمير قوات الاحتلال للبنية التحتية، ولمقومات الدولة العراقية المركزية، حيث استبيحت وزارات ومؤسسات الدولة بما في ذلك المتاحف والآثار التاريخية المعبرة عن غنى وعراقة وحضارة وثقافة بلاد الرافدين، كما حل الجيش العراقي. ما أقدم عليه الحاكم الإداري الأمريكي للعراق بول بريمر في تشكيله لمجلس مؤقت للحكم العراقي وفقا لنظام المحاصصة، مثل ضربة قاضية لوحدة الشعب العراقي، حيث أسهم في تأجيج الاصطفافات والتخندقات والصراعات الطائفية والدينية والإثنية بين مختلف مكونات الشعب العراقي، مما شكل مدخلا لتشكل الجماعات والمليشيات العسكرية المختلفة، التي مارست القتل والعنف والتهجير والتدمير المتبادل وفقا للهويات الفرعية.

كما أصبح العراق الديمقراطي الجديد بؤرة لتأجيج وتصدير الاحتقانات الطائفية في عموم المنطقة، وتحول إلى مركز جذب للقوى والجماعات التكفيرية، بما في ذلك تنظيم القاعدة والتي ينسب إليها مسؤولية الاغتيالات والتفجيرات الدموية شبه اليومية التي شهدتها العاصمة بغداد والعديد من المحافظات، والتي تصاعدت وتيرتها بشدة في الآونة الأخيرة. العراق الذي يزخر بالثروات الطبيعية الهائلة وبالطاقات البشرية والعلمية المؤهلة والتي من شأنها أن تغير جذريا واقع الإنسان العراقي.

غير أنه وبعد عشر سنوات على الاحتلال، لا تزال الغالبية الساحقة من الشعب العراقي، وفي ظل حكومات المحاصصة المتعاقبة، تعاني انتشار الفقر، وتفاقم البطالة، وتردي الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والسكن والكهرباء والمياة والصرف الصحي، كما يحتل العراق الصدارة إلى جانب أفغانستان في درجة الهدر والفساد المالي والإداري وانتشار المحسوبية. ضمن هذا السياق نلحظ في الشهور الأخيرة، تصاعد حدة الخلافات والصراعات والمناكفات بين الكتل الطائفية / الإثنية، كما تتصاعد الاحتجاجات الشعبية في العديد من المحافظات العراقية، ضد سياسات رئيس الحكومة نوري المالكي الذي يوصم بالفئوية والتفرد وسوء استخدام السلطة.. وللحديث صلة.