آخر تحديث: 14 / 4 / 2021م - 10:34 م

معارك هامشية

هل فكرت يوما في مسار مختلف لعلاقاتك الأسرية والاجتماعية، وتأملت فيما آلت إليه بعضها من ضعف وترهل تفاجأت به ولم تتوقعه في يوم من الأيام، بل وخضت في بعض مراحلها معارك ضارية ترنو منها الانتصار وانكسار من عددته عدوا تروم هزيمته؟!

تمر الأيام لتلقي لنا ما بين فترة وأخرى بخيوط المعرفة والوعي بتشابك الأحداث، وترفع عنا غشاوة الغفلة عن الحقيقة المهمة والهدف الأسمى المراد تحقيقه والذي تخلينا عنه، ودخلنا متاهة الجهل بخوض معارك هامشية وقد سخرنا لها كل قوانا وجهدنا ووقتنا، ولم نلتفت أننا كنا خلالها كشجرة مورقة تعرضت لعاصفة ريح، فأخذت تلقي أوراقها الواحدة تلو الأخرى حتى تساقط منها ما عراها تماما، هكذا نحن بعد انجلاء غبرة تلك المعارك لنكتشف أننا الخاسرون الأوحدون فيها، لقد خسرنا كثيرا من القيم كالطيب وهدوء البال وافتقدنا الكثير من الأصدقاء والأرحام بسبب أسباب بسيطة لا تستحق هذه الخصومات والمشاحنات والقطيعة معهم، والتي كشفت واقعا مريرا قد يصعب علينا - إن لم يكن مستحيلا - أن نغير من مفاصله وأحداثه، فقد أخذنا الوقت المتطاول في معارك عبثية لم تستند إلى الحكمة والروية وتحديد بوصلة الأهداف، والتي كانت ستعلي شأننا وتكسبنا الكمالات والفضائل المزينة لشخصياتنا.

الحياة الحقيقية تعتمد على تحفيز أذهاننا نحو التفكير الواعي بأنفسنا وما حولنا، فلا نقدم على خطوة أو كلمة إلا بعد التأني والتأمل في نتائجها، كما أن الحياة تأخذنا بعيدا حينما نغفل عن متابعة خطانا ودراستها لئلا نتمادى في طريق الخطأ، فإذا ضيعنا اتجاه الصوابية بعد عدة خطوات يمكننا أن نتحمل مسئولية التصحيح والتعديل وإن أخذ ذلك منا وقتا كثيرا، فذلك أفضل من الإيغال في الطريق الخاطيء حتى نصل إلى نقطة اللا نهاية.

ماذا لو تمسكنا بخيط المعرفة والمحاسبة بشكل مستمر، فكانت عملية التقويم لكل ما نفعله تتمثل في جهود نبذلها لمراجعة مواقفنا وأفكارنا وعلاقاتنا وآمالنا، أليس من المحبب للنفس أن يتبين لنا أن لو واصلنا مسيرنا فيه فسيلحق بنا الأذى والخسارة؟!

مسألة الاهتمامات وتقييم الأداء قد يجهل البعض أهميته ويتصور خطأ بأنه أمر خاص بأولئك المبدعين والملهمين، والحقيقة أن كل فرد منا يحمل بذرات الإبداع في جانب من الجوانب ولكنه لم يحفز طاقاته وقدراته نحو اكتشافه وتنميته وتحفيزه، كما أن بلوغ درجات من كمال النفس والتحلي بصفات التميز والتفرد تلقى ترحيبا حارا من الجميع، فلماذا لا نقبل مذعنين لصوت العقل فنقف أمام مرآة النفس لنحدثها ونستمع همسها ونقدها، أفلا يكفي ما أهدرناه من أوقات فضيعنا على أنفسنا الكثير من المكتسبات والخبرات؟!

توجيه النقد لأنفسنا مستبقين الآخرين من حولنا سيجنبنا الكثير من المتاعب والخسائر، ويطلعنا على مشهدية الحقيقة الناصعة وإن كانت مؤلمة في بعض مراحلها، فالتعصب للنفس يحولنا لشخص أخرق مكابر لا هم له إلا بنيل تصفيق الإعجاب الوهمية من الآخرين، فنتحرك بنحو آلي «إمعة» مع هواهم وتصوراتهم دون أن نمتلك خطة إعداد لما أمدنا به الله تعالى من نعم العمر والطاقات المودعة فينا؛ لتشكل فرص سانحة نتلقاها ونصنعها لنخوض معارك الانتصار الحقيقية مع أهوائنا ونزواتنا وكل ما يشغلنا عن الغايات والمنجزات، فلندع فكرة المعارك مع الآخرين مهما حملوا من أفكار وسلوكيات تختلف عما نعتنقه.