آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 3:54 م

أيها الآباء لا تغفلوا عنهم

الأطفال في نموهم يحتاجون من والديهم كل الرعاية والاهتمام والمتابعة لتصرفاتهم وأفكارهم، فالاهتمام المادي بما يحتاجونه من مستلزمات المسكن والطعام والملبس لوحدها لا يكفي، بل يحتاجون إلى كل ما يمتلكه والداهم من خبرات وتجارب وسمات تربوية ترفد شخصياتهم بالنمو والازدهار.

كما أن العوامل المؤثرة في شخصياتهم لم تعد كالزمن الماضي بل أضيف لها ما هو أقوى في التأثير كوسائل التواصل والاتصال الاجتماعية، ولذا علينا كآباء وأمهات أن لا نغفل لحظة عن سقي فلذات أكبادنا وإبعاد كل الأشواك عن طريقهم، فالهجمة والغزو الفكري والثقافي بلغ حد الشراسة فلم يعد ينفع معه التغاضي عنه، بل نحتاج إلى بنية وتنشئة قوية تحميهم من ضرر تلك الفيروسات الفكرية والسلوكية، فالعقيدة والثقافة الدينية لم تعد مجرد محاكاة للعبادات والتزام قشري بها، وإذا بنا نفاجأ بالشاب الجامعي وهو يتهكم بالدين وأحكامه ويعلنها صراحة بخلعه لعباءة التدين، كما أن الفتاة التي لبست الحجاب الشرعي لسنوات تعلن بأنها اليوم ليست بحاجة له وأنه مجرد قطعة قماش لا داعي لها، هذه وقائع تفرض على الأسرة تقديم الثقافة الدينية لأبنائهم بصورة الإفهام في الصغر والحوار الهاديء المنتهي بالقناعات في الكبر، فبيان الآثار وربط العمل بالجزاء وتقوية النزعة الروحية وغرس القيم الدينية الحقة تحتاج لمجهودات كبيرة.

وهل فكرنا يوما في كيفية تكوين سور الأمان للأسرة والذي يشعر معه الأبناء بالطمأنينة والانتماء، فبعض الأبناء ما إن يكبروا حتى تراهم يبتعدون في علاقاتهم بوالديهم وأفراد أسرهم شيئا فشيئا، والسبب في حالات النكران للأسرة والرغبة في الابتعاد عنهم والتبلد المشاعري تجاههم، بل والنظر لهم كأنهم زملاء دراسة في سكن واحد سرعان ما يتخرجون وتفرقهم الحياة هو عدم تلقيهم أسس العاطفة الأسرية وإحساسهم بمحبة والديهم وإخوانهم، فتغيب الجلسات التي يستمع فيها كل واحد للآخر، ولا يجدون في محيطهم الأسري من يستمع لهم ولا يشاركهم في مشاكلهم وهمومهم وآمالهم وتطلعاتهم.

التوجيه والإرشاد الأسري لم يكن يوما ترفا ومجرد تباه بمفرداته، بل هو رافد مهم في تقويم أفكار وتصرفات الأبناء وتوجيهها نحو التكامل والسمو، فغياب الوالدين عنهم والتذرع في تعليل ذلك بمشاغل الحياة قد يكلف الوالدين كثيرا في المستقبل، وذلك حينما يرون الشوائب والفيروسات قد تسللت على حين غرة لأبنائهم، فيستمعون منهم لأفكار مهولة ومفردات لم يرغبوا قط في عشعشتها في أذهانهم، ومنها مثلا: العطاء عند بعضهم هدر للثروة، والأنانية والنفعية طريق بناء المستقبل، والتعامل الأخلاقي مظاهر كذابة ينبغي التخلي عنها والكثير من هذه الأفكار، وعلى مستوى السلوكيات فيكفي نظرة سريعة لوسائل التواصل الاجتماعي والتي تعج بتصرفات اجتماعية وأخلاقية مستهجنة، وفي حين يشتغل الكثير بالحديث عن تفاصيلها والبحث عن امتداداتها، يغيب عنا العمل على الكشف عن وجه الخلل في البنية الثقافية والسلوكية لأبنائنا حتى تغلغلت بينهم ما جزمنا في الماضي بعدم قدرة الغير على إيجاده على ارض واقعنا.

أبناؤنا ليسوا بحاجة ماسة لصرف الآباء والأمهات جل وقتهم على البحث عن لقمة العيش الحلال والتذرع بها عن الانشغال عنهم، بل هم بحاجة أهم وهي من يساعدهم ويساهم في بناء روح حب الخير وسلامة القلب من الأحقاد والتسلح بالقيم الأخلاقية التي تساندهم في إقامة علاقات مستقرة وناجحة، فخير ميراث لهم تأديبهم ونزع بذرة الأنانية والتكبر والشر والعدوانية من قلوبهم.

أبناؤنا يستحقون منا بذل الوقت والجهد من أجل إسعادهم وتربيتهم والتفاني والتضحية لحل مشاكلهم والاستماع لهم، فمن أجلهم في زمننا لنترك التكالب على البرامج والمقاطع في هواتفنا النقالة ليل نهار حتى ما عدنا نشعر بوجودهم، فتنشئتهم الصالحة والخيرة لا تأتي من فراغ وإهمال وانشغال عنهم.