آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 3:54 م

أساطير الخلاف والقضية والودّ الفاسد!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

لا أعلم ما القضية التي افترض أمير الشعراء أحمد شوقي أن اختلاف الرأي بشأنها لن يفسد الودّ بين المختلفين... الحقيقة أن اختلاف الرأي من شأنه أن يفسد الودّ، ويفسد العلاقات، ويخرب النسيج المتجانس، وهذا أمر حسن!

قال شوقي في شطرٍ من قصيدة ضمن ثلاثة أبيات في مسرحية «مجنون ليلى» على لسان قيس بن الملوح، يشكو من حرمانه حبيبته ليلى العامرية:

ما الذي أضحك مني الظبيات العامرية؟

ألأني أنا «شيعي» وليلى «أموية»؟

اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية!

يمكن للشعر أن يكّون وعياً، حقيقياً أو خرافياً، وهذا من الوعي الخرافي، الذي سارت به على علّاته الركبان. فالقبيلة منعت ليلى عن حبيبها قيس لأسباب ليس منها اختلاف المذاهب والعقائد... فكلاهما «قيس وليلى العامرية» ابن عمومة؛ عاشا في منتصف القرن السابع الميلادي في صحراء نجد التي شهدت قصة عشق خالدة بينهما، وأصبحت واحدة من الملاحم الغرامية في التاريخ الإنساني.

هذا من السند، أما المتن، فهو أسطورة أخرى... فاختلاف الرأي يُفسد علاقة الودّ إذا كانت قائمة على التوافق على نسقيات راكدة تفرض الجمود، وتعزز التجانس. فكل رأي هو بالضرورة يختط نهجاً مخالفاً عن الرأي الآخر، ينقضه أو يبني عليه، ويتجاوزه ولا يقف عنده... ولذلك ينشأ الخلاف وتنشأ النزاعات وحتى الحروب، وهي في المجمل إحدى السيرورات الكبرى لنشوء الحضارات الإنسانية ونموها وتطورها، لا ينبغي الخوف منها أو مداراتها.

يقول الدكتور عبد الله الغذامي، في مقال يحمل عنوان «الود الفاسد»: «الرأي بشروطه الثلاثة «تكويناً وتسميةً وتخصيصاً» هو بالضرورة معنى مخالف للمتفق عليه، ولو لم يكن كذلك فلن تصح تسميته بالرأي، وفي المقابل فإن الود هو صفة لتوافق بين وبين، وأي تغير في درجة التوافق سيتلوها بالضرورة تغير في درجة الود، بدءاً من القبول على مضض أو التسليم والمجاملة أو الانتظار لحين، ثم تتكشف دواعي الخلاف، ومن هنا فإن اختلاف الرأي يفسد الود، بكل تأكيد، ولكن ما درجة فساد هذا الود؟...» «الجزيرة 17/ 10/ 2015».

الأسطورة الأخرى، أن أصحاب هذا الرأي «اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية»، يؤمنون بالخلاف! الحقيقة أن أغلب الناس الذين يرددون هذا البيت يخشون من الاختلاف وينفرون منه، ويشعرون بالرغبة في العيش ضمن البيئات الفكرية والاجتماعية المتطابقة... يضجرون من الاستماع لوجهات النظر المخالفة، ويضيقون ذرعاً بالتكوينات الاجتماعية المتباينة، ولا يأنسون العيش في البيئات المختلطة.

نظرياً الحياة ضمن المجموعات السكانية المتنوعة ثقافياً وعرقياً وجنسياً تحفز القدرة على الإبداع والتطور والابتكار وبناء القدرات المتعددة، هذا ما يقوله علماء التنظيم الاجتماعي وعلماء النفس كذلك، لكن صعوبة الفكرة تكمن في تطبيقها وفي جعلها مساراً اعتيادياً يتقبله الإنسان، أي أن يتقبل أن يكون جزءاً من منظومة متعددة ومختلفة، وأن يكون رأيه ومنهجه وفكره قابلاً للنقاش والنقد والاعتراض، وليس فقط ممارسة سلطة الردّ والنقد والمحاججة والاعتراض على أفكار الآخرين.

خلال مناقشة، أشار إليّ المفكر الأستاذ إبراهيم البليهي بالقول: «الناس يكررون القول إن الاختلاف لا يُفسِد الود. أما الحقيقة فهي أن الغالب على الناس أنهم ينفرون ممن يخالفهم، بل إن اختلافات الرؤى هي السبب الأول للعداوات... إن العداوات القائمة بين الأمم بل حتى بين الطوائف والمذاهب داخل الأمة نفسها وداخل النسق الثقافي نفسه، كل هذه العداوات تعود إلى اختلاف الرؤى، لذلك فإن بقاء المودة رغم اختلاف الاتجاهات يُعَدُّ من المآثر التي تستحق الإشادة وتستوجب التنويه»... والكلام للأستاذ البليهي.