آخر تحديث: 29 / 11 / 2021م - 2:52 م

تحفة محمدية

ورد عن رسول الله ﷺ: مَن عدّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت" «[1]».

ما أجمله من تصوير بلاغي لحقيقة الرحيل ومحدودية عمر الإنسان، فالموت كالصاحب الذي اتفق معك على أن يفارقك متى ما أراد، فمهما كان جمال صحبتك بالحياة واستمتاعك بملذاتها فإن الموت سيعلن صفارة النهاية في أي لحظة دون سابق إنذار.

التهيؤ والاستعداد من علامات المرء العاقل الذي يضع رجليه على أرض الواقع بعيدا عن الوهم والمثالية والكسل، فالحياة قطار يركب فيه قوم ويصحبهم إلى المحطة الأولى لينزل بعض ويصعد آخرون، هذه حركة وحكاية الحياة والرحيل لكل فرد منا، ولكن حب الدنيا والالتصاق بها والتمتع بالشهوات والملذات يغيب عن أذهاننا هذه الحقيقة، فنحيا - قد غمرتنا سكرة الغفلة - وكأننا مخلدون لا فراق لنا لهذه الدنيا حتى يداهمنا الرحيل بلا سابق إنذار، أليس من النضج والرشد في مثل هذا الواقع والحقيقة أن نصنع من أعمارنا المجهولة الأمد مضمارا نستثمر فيه قدراتنا العقلية والمهارية وننميها حتى نظفر بالإنجاز والنجاح والسعادة.

هذه الرواية عن الرسول الأكرم ﷺ قد توقع البعض في اللبس في فهم معناها ومؤداها، من جهة تتعلق بالطموح وروح الأمل التي تعد من خصائص الإنسان الحكيم والناجح، والذي يجعل من آلة الزمن مضمارا لتحقيق أهدافه وغاياته في الحياة متخطيا المرحلة بعد الأخرى بكل همة ونشاط، وهذا ما يستدعي منه التخطيط المسبق لأيامه المستقبلية وما ينبغي عليه تهيئته من قدرات وإمكانيات لازمة للخطوة القادمة، حتى عد الاستشراف المستقبلي وقراءة الواقع فيه حصافة عقلية وقوة في مواجهة التحديات والمصاعب، وبالتالي فإن الغد وما سيكون عليه والتخطيط لتحويله لفرصة سانحة يتقدم من خلالها نحو الأمام هي من أبجديات الإنجاز والنجاح، وأما ترك النفس لتقادم الأيام بلا تخطيط فإنه يشبه المركب في البحر بلا تجديف تتقاذفه الأمواج يمنة ويسارا، ويبقى صاحبه في حالة حيرة وتيه ودوامة لا يعلم مدى نهايتها.

وإذا رجعنا للرواية الشريفة فإنها تدعو للتهيؤ والاستعداد للرحيل الأخروي، فما إن يضع المرء رأسه فوق الوسادة إلا ويكون واضعا في حسبانه الساعات الآخيرة من عمره وانطلاق ساعة الإنذار لملاقاة حتف المنون، ومن منا يضمن لحظة مستجدة من عمره حتى يمتليء ثقة بأن الغد بكامله سيكون ملكه وبين يديه يصنع فيه ما يشاء، فمهما كانت آمالنا وتطلعاتنا ومشاغلنا في الدنيا فلا ينبغي لها أن تنسينا حقيقة ساطعة وهي أن الحياة مؤقتة بأجل مسمى لكل واحد منا ثم سرعان ما نرحل، وهذا الرحيل لا يعني الفناء ليفعل المرء ما يحلو له بدون رقابة وحساب، بل هناك الدار الآخرة يحاسب فيها المرء على ما قدم من عمل صالح أو سيء، فالحياة مضمار فكر وعمل يتسابق فيه البشر كل بطاقته وقوته نحو خط النهاية المرسوم له، خط غير معروف التوقيت وهذا ما يستوجب على العاقل صنع مستقبله الأخروي قبل أن يؤذن له بالرحيل بلا سابق إنذار.

الرواية الشريفة ناظرة إلى ناحية دنيوية وأخرى أخروية ينبغي للعاقل أن ينتبه لهما، أما الجهة الأولى فهي محدودية عمره في هذه الحياة والرحيل يأتي بغتة بلا سابق إنذار، وهو لا يمتلك لحظة من عمره ولا يضمنها وعليه أن يبني طيات حياته على ذلك، فليس من الحنكة تملك ما لا نملكه ونضمه لنا وكأنه حقيقة لا غبار عليها، فالعاقل يبني معادلات عمله على أسس متينة ومنها أن اللحظة الحاضرة قد لا يستتبعها لحظات أخرى وهو احتمال واقعي.

وعليه فإن من آفات العمل التسويف والتأخير للغد بانيا على تتمته بعد ذلك، ومن يضمن له أن يكون غده من عمره حتى يؤجل؟

بل العقل يدعو لانتهاز الفرص والقوة والإمكانيات واغتنام الوق دون أي تأخير، والطموح يتوافق مع قول رسول الله ﷺ بأن يكون المرء مستعدا لتحويل كل يوم من عمره إلى ميدان عامر بالطاعة لله عز وجل وتحقيق الأهداف المتاحة وتنمية قدراته الفكرية والمهارية، ويصنع المعروف ويعمل الخير بما يحقق له وجوده ويؤكده ويسعده في الدارين، ولكن عليه التنبه والحذر من طول الأمل وغياب أمر الرحيل من الدنيا من عقله وعمله.

وأما الجانب الأخروي فهو الاستعداد لهذا السفر وقد حملنا معنا من الزاد ما يعيننا في ذلك اليوم، والزاد هناك ما نملأ به عقولنا من مخزون علمي من المعارف الحقة، ونحاسب أنفسنا على كل قول وفعل يصدر منا حتى نصححه ونعالجه، فخير الزاد في ذلك اليوم هو التوبة الصادقة والندامة والحسرة على ما نقترف من خطايا.

[1]  «تحف العقول ص 49»