آخر تحديث: 29 / 11 / 2021م - 3:41 م

كيف تتشكل الشخصية الديموقراطية

ناصر الراشد

انت ما تفكر فيه.. هذه عبارة تجدها في ادبيات علم النفس التي تتحدث عن الشخصية، وهي تضعنا امام حقيقة سيكولوجية أن افكار الانسان هي التي تحدد ملامح شخصيته الانسانية فيما يتعلق بفعله الاخلاقي الاجتماعي او ما يصطلح عليه «الذكاء الاجتماعي» والذي يشكل احد الجوانب الاهم في نجاح الشخصية الانسانية، ومن جهة اخرى تعد افكار الانسان المانح الاساس لإرادته والتي تنعكس في كل فعل ايجابي يقوم به لتحقيق أهدافه في الحياة، ما نفكر فيه هو عبارة عن تلك الكلمات المكونة للعبارات التي يحدث الانسان بها نفسه ويفكر فيها وهي تعد وسيلة انتقاله التي يستخدمها خلال رحلته نحو السعادة وتحدد كلا من الاتجاه والسرعة اللذين يصل من خلالهما لتصميم وهندسة مسار حياته وعلاقاته بنفسه والمكونات البيئية من حوله، كما أن أفكارنا هي التي تخلق القوة الدافعة للاحتمالات المتاحة أمامنا وهي التي تسمح لنا بالسيطرة على انفعالاتنا وحركتنا في الحياة.

ضمن هذا السياق هناك مسلمة ثابتة تستفاد من كتابات بندكت مؤداها لا توجد مفردة واحدة في التنظيم المعرفي للإنسان «لغته، ديانته، عاداته» نقلت اليه من خلال الموروثات «الجينات»، وتؤكد بندكت أن كل شيء بعيد عن الملامح البيولوجية العامة ينقل من جيل الى آخر من خلال عملية التطبيع الاجتماعي.

نستطيع القول أن عملية التطبيع الاجتماعي هي منهج البناء ومخطط الحضارة الذي يتم من خلاله صهر الفرد في قالب معين وتشكيل شخصيته وهويته الانسانية والعقدية والوطنية وفقا للأفكار والقيم التي يقوم على اساسها الكيان الحضاري، ومن أمثلة تلك الافكار والقيم فكرة السعي والعمل وفكرة التعاون وقيمة الحرية وغيرها من الافكار والقيم الحضارية التي تساهم في تنظيم حياة البشر وتحسن معاشهم.

وبالرغم من أن عملية التطبيع الاجتماعي تؤثر في الافراد وتضفي عليهم صفات شخصية مشتركة الا انه يظل لكل فرد منهم صفاته الخاصة والتي تميزه عن غيرة والتي لا يمكن الجزم بها أو التنبؤ بطبيعتها بشكل مقبول وذلك يعود لسببين اختلاف درجات الوعي لدى من يقوم بعلمية التطبيع الاجتماعي ودرجة اعتقاده بتلك الافكار والقيم ودرجة ممارسته لها، والسبب الآخر هو أن لكل فرد خبراته وميوله واتجاهاته التي تجعل منه فردا متميزا عن الآخرين.

إن ايجاد بيئات معرفية نقية تساهم في تشكيل الفكر وبناء السلوك والفعل الاجتماعي العام بشكل يضاعف التزام الافراد بالأفكار والقيم الاساسية وتحرض الارادة الجماعية ليصبح المجتمع مؤهلا لاجتياز اختبار القابلية للديموقراطية هي من الوظائف الحديثة لعملية التطبيع الاجتماعي.

بقي التأكيد على أهمية أن تقوم عملية تشكيل العقل المعرفي على اسس فكرية ونظرية رشيدة ووجيهة تتكأ على قوة الفكر وصلابة التنظير الدافع للمجتمع باتجاه بناء المؤسسات المدنية التي تنمح معنى له، كما تتميز الافكار بالخصوبة والقدرة على مواكبة العصر وتشكيل العقل والشعور الجمعي على أساس مفهوم حديث تجعله يأنس بالتعاون والعيش المشترك ويخفف من حدة والذاتية وسطوة التوتر الايدلوجي على السلوك الجمعي ويبعث الثقة من خلال التحسين العملي للواقع عبر مشاريع تشبع الحاجات الانسان الاساسية على أقل تقدير وتكون حافزة على البدل والعطاء، كما يجب ان تتميز النقاط الثابتة في الفكر بالعدالة الاجتماعية واحترام قدرات الانسان وحقوقه وتساعده على تقديم أفضل ما لديه، وبذلك يمكن القول بأن اصلاح فكر الانسان هو مقدمة لازمه لتكوين عادات وسلوك الديموقراطية لدية.