آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 2:01 ص

علي المحسن... إحتفال العدسة بالنموذج الصالح في المجتمع

ادريس ال قمبر

الفوتوغرافي علي المحسن

ضمن الكثير من النماذج الفوتوغرافية التي اتابعها على صفحات الفيس بوك تحتل عدسة علي المحسن مكانها الخاص لدي وذلك لعدة أمور من ضمنها ما أود التطرق إليه في هذه السطور القليلة.

في خضم هذا الأنفجار الكوني للمعلومات تكون الذاكرة المجتمعية قصيرة جدا وذلك نتيجة تتابع الأحداث وكثرة التفاصيل التي تلازمها، تتقلص فرص البروز للافراد بينما تبرز الظواهر على السطح ليتلقفها المجتمع ويعيد صياغتها بعدة أشكال مختلفة وذلك ضمن فترة زمنية قصيرة بعدها تختفي لتحل مكانها ظواهر اٌخرى.

في زمن الأباء كان الناس يحلفون برأس الأنسان الصالح بل في كثير من الأحيان توقت الأحداث بموت أو ولادة أو سفر فرد من افراد المجتمع، كان الفرد يحتل مكانه في المجتمع سواءً في الجانب الإيجابي أو السلبي وبعبارة أخرى «كان المجتمع مشغول بأفراده». يعرف صفاتهم... طبائعهم... ميولهم... مشاكلهم حتى التفاصيل الدقيقة لحياتهم.. وقت خروج احدهم للعمل،، مكان عمله متى يرجع ومتى ينام ومن أقاربه ومن أولاده... هذه التفاصيل تغيب في الوقت الحاضر بسبب العزلة الداخلية للأفراد عن مجتمعهم ونتيجة لنمط الحياة الجديد.. صحيح أن الخصوصية تبدوا منتهكة في ظاهرها بسبب شبكات التواصل الأجتماعي ولكني أعتقد أن ما يبرز على الشبكات لا يعبر عن الوجه الحقيقي للفرد فما تراه على الفضاء الأفتراضي مختلف جداً عن الواقع الحقيقي. إني أرى إننا في زمن لا يحفل بالفرد ولا يعيره أي إهتمام، يأتي الأنسان إلى هذه الدنيا ويموت ويكون ضمن العبارة القائلة «نَسْيًا مَنْسِيًّا». 
علي المحسن يقيم كرنفالا يتحفل فيه بالفرد، يفتح نافذة ضمن هذه العاصفة الكونية ليسلط الضوء على أحدهم ويقدم رسالة كما أفهمها أنا «هنا كائن يستحق أن نحتفل به». وهذه الرسالة تحمل في بعدها الإنساني نموذج لمشروع يعطي الفرد قيمة بمقدار حضوره وانشغاله بقيم الخير والصلاح وبمعنى مرادف «هذا فرد صالح من المجتمع» كائن حاضر له انتماء وتاريخ يستحق القراءة والتمعن فيه.

الحاج حميد جمعان قصة العشق والكفاح

في هذه الصورة وهي من بواكير هذا المشروع الجميل صورة الفلاح الأصيل الذي تربطه بالأرض حالة عشق عميقة.. بدء حياته في الأرض، بين نخلها وأحراشها.. تكلم مع تينها ولوزها.. مرت يداه على حقول البرسيم موقعة ديوان الحب الكبير لهذه الارض، التقط المحسن هذه الصورة للمرحوم في استراحة المزرعة التي ختم المرحوم قصة كفاحه بها.

هذه الصورة تقدم نموذج صالح بغض النظر عن المكون الرئيس وهو الحاج حميد رحمه الله، ومن دون حاجة لأعمال الفكر نلاحظ وجود دلة الشاي ودلة القهوة وابريق الحليب وطست الماء الذي يجمع في رحمه الفناجين والإستكانات وهي لوحة جميلة معبرة عن الكرم والضيافة وإن المكان ملتقى للحديث والانس تدار فيه فناجين القهوة والشاي على الهاربين من سجون الحديد والاسمنت إلى حضن الأم إلى الارض بنخلها وخضرتها التي تعيد للأنسان توازنه الطبيعي.

لقمة الحلال محل الفخر والاعتزاز في صوره جميلة لأبي منصور الشكر رحمه الله.

يقدم المحسن في هذه الصورة نموذج الانسان الذي ظل الى آخر أيام حياته يسعى لكسب اللقمة الحلال رغم كبر سنه وحالته الصحية. كان يعمل في محل الدواجن في السوق القديمة حتى صدر قرار تغير آلية بيع الدواجن ونقلها الى مراكز مختصة مما أدى إلى ايقاف عمل الكثير ممن امتهن مهنة ذبح الدواجن في وسط البلد وأبو منصور من ضمنهم. هذا ادى بأن يبتكر الرجل مهنة متفرعة من عمله الأصلي فصار يوصل الدواجن الى المنازل بعد إن كانت الزبائن تقف على باب محله لتأخذ ما تحتاجه من المحل. والرسالة التي يقدمها المحسن في نظري بلسان المكون الأساس للصورة «هذا رجل صالح يقدم رسالة للمجتمع مفادها إن العمل لكسب اللقمة الحلال محل فخر وإعتزاز وان العمل مو عيب»

«من يسكن من» في صورة جميلة للحاج حسن المصلي

«الديره» أقدم المناطق في جزيرة تاروت والتي لاتزالت تصارع الأوجاع المزمنه نتيجة تقدمها في العمر، هذا المكان يسرق قلوب الفوتوغرافين من كل مكان فهو من جهة يحضن في خاصرته القلعة الأثرية المعروفة ومن جهة أخرى محافظته على الطراز المعماري القديم للمنطقة، المنازل الطينية المتلاصقة والأزقة الضيقة المعبرة عن الحنان والقرب بين الناس في الزمن الخالي.

الحاج المصلي في عدسة المحسن نموذج للإنتماء لهذا التراث الواقع تحت عاصفة النسيان. يبدأ المحسن تعليقه على هذه الصورة بجملة جميلة جداً «كثيراً ما تجمعني الصبيحة بهذا الرجل الخيّر.. كشمعة تضيء أزقّة ديرة تاروت» وهو فعلاً كذلك.

إن ذاكرة المكان التي يتخزنها سكان الديرة في رأيي عبارة عن نفط مجهول يتوجب على الباحثين تدوينه بجدية واستخراجه من قلوب الثلة القليلة الباقية من أمثال هذا الرجل الطيب وهي رسالة هامة يقدمها المحسن من خلال عدسته.

العدسة ريشة يحكمها رهافة الحس والإحساس بالمسؤولية

بقصد او بغير قصد قدّم على المحسن في ألبومه المعنون ب «الحياة العامة» نماذج لأفراد صالحين سلط عليهم الضوء، ليدخل من خلال بعض الاعمال معركة حقيقة ضد النسيان والإهمال، لنماذج بسيطة تستحق أن تخلّد في الذاكرة، معركة يحمل المحسن فيها رهافة الحس والمسؤولية اتجاه ما هو موضع جمال حقيقي يستحق الإبراز والظهور. وأنا هنا أيضا أوّجه الدعوى للشباب الفوتوغرافيين ليتبنى مشاريع فوتوغرافية جادة وهادفة ترتقي بهذا الفن الجميل في المنطقة

مشاريع تكون العدسة فيها فم صادق ينقل للمتلقي رسالة الخير والصلاح والحب والجمال.