آخر تحديث: 17 / 9 / 2021م - 8:44 ص

كيف يتفهم الأطفال موت الأقرباء؟

نداء آل سيف *

«لا أحب الله، فقد أخذ جدتي التي كانت تعيش معنا» بهذه الكلمات البريئة عبرت الطفلة الصغيرة عن مشاعرها حيال فقد جدتها بعد أن أخبرتها والدتها عن موتها، وبأن الله أخذها إليه، فما كان منها إلا أن تعرب عن كراهيتها لله الذي يأخذ الأحباب وفقا لفهمها الغض.

تجربة الموت من التجارب المؤلمة والمؤثرة في حياة الطفل، والتي تستدعي التفاتة من الأهل والمربين في طريقة نقل الخبر وتوضيحه للطفل لاسيما في مرحلة الطفولة المبكرة التي تتسم بكثرة الخيالات والأحلام لديهم.

وتشير الدراسات التربوية أن الإجابة على تساؤلات الطفل بمعلومات مبسطة وصحيحة هي الحل الأمثل مع ضرورة تجنب التخويف والتهويل الذي يترك أثره في نفس الطفل ويشعره بالقيد في تصرفاته.

«كان مريضا فمات، لأنه طيب مات، نام طويلا» كلها إجابات يتناقلها الأهل والمحيطين بالطفل خلال تفسيرهم للطفل عن مفهوم الموت وكلها للأسف الشديد إجابات قد تدمر الطفل وتجعله في صراع وحيرة، فأي نوبة زكام قد يصاب بها الطفل قد تدخله في دوامة انتظار الموت الذي داهم قريبته حين مرضها، وأي تصرف طيب قد يحاول الطفل الابتعاد عنه ظناً منه أنه يقاوم الموت، وحتى النوم قد يكون مصيدة للمخاوف والكوابيس التي تكون سبباً في مشاكل سلوكية ونفسية بعدها.

ويأتي هنا دور الأهل منذ لحظة سماع الخبر - رغم الحزن والصدمة التي تنتابهم آنذاك - وذلك بالجلوس مع الطفل والحديث معه عن الجنة ونعيمها وأن نتيح له فرصة التعبير عن مشاعره وتشجيعه على الحديث ومساعدته في طرح السؤال الذي يتلجلج في صدره، وإشباع فضوله وعدم التذمر في حال كرر السؤال يومياً وأكثر من مرة، وتفهم أن هذا التكرار ما هو إلا محاولة من الطفل لاستيعاب وفهم معنى الموت الذي يكون وقعه وفهمه كبيراً عليه، في الوقت الذي ينتظر من الكبار من حوله أن يغمروه بالمزيد من مشاعر وكلمات الاطمئنان والتهدئة في بقاءه وبقاء أحبته معه.

وبطبيعة الحال، كلما كان قرب المتوفى من الطفل كان الوقع أشد وكانت حاجته لقبول الفكرة أشد صعوبة. وتذكر الأبحاث النفسية ضرورة إتاحة الفرصة للطفل بالتعبير بأكثر من طريقة كالرسم أو كتابة الرسائل للشخص الراحل، أو حتى تأليف القصص التي تجعله يسطر كل مشاعره.

ان من الأشياء التي قرأتها وأذهلتني ما أشارت إليه الأستاذ المساعد بقسم علم النفس بكلية الآداب بجامعة البحرين دكتورة الشيراوي: إن مرحلة الرضاعة احد المراحل العمرية التي يشعر خلالها الطفل بفقد احد والديه إذ لا يدرك معنى الموت، ولكنه يفقد العناصر المرتبطة بوجود المتوفى كصوته ورائحته وملامح وجهه وحركته أمامه، كما يلاحظ انخفاض مستوى الاهتمام به ويعبر عن انزعاجه بتكرار بكائه وتغير عادات نومه وتناول طعامه وغير ذلك»

مشيرة إلى ضرورة محاولة الإبقاء على الروتين اليومي في إطعام الطفل والعناية به أو التعاون مع المحيطين والأقارب المعتاد على الرضيع ووجودهم مسبقا في حياته، أما في المرحلة العمرية من عامين إلى خمس سنوات، فيبدأ الطفل في إدراك مفهوم الموت ولكنه يعتقد انه مؤقت وليس دائما، وان غياب والده هو حالة مؤقتة كالسفر والنوم ثم سيعود بعدها إلى الحياة، وتبعا لذلك نجده يتساءل كثيرا عن موعد عودة الأب، وقد يتشتت في تفسير معنى إجابات المحيطين مثل إن والده ذهب للأبد أو إنه سوف ينام لفترة طويلة «.

هنا يكمن دور التهيئة للطفل قبل حدوث التجربة، الأمر الذي يساهم في تخفيف الصدمة وسرعة تقبلها وتعديها، فتجربة تربية حيوان أو حتى نبته وتعرضها للموت يساعد كثيرا في إيصال الفكرة وتفهمها. بالإضافة إلى أن تواجد الكتب والقصص والأَلعاب الخيالية غير المباشرة عن الفقدان، تساعد الطفل على تقوية تكيفه عن الموت.

وإيماناً بأهمية القصة في علاج الكثير من المشاكل التي تعترض حياة الطفل، أوجه رجائي الحار لكل كاتب لقصص الأطفال أن يزود أدبنا بالمزيد من القصص التي تتناول هذا الموضوع بالتعاون مع الأخصائيين النفسيين للوقوف عن قرب على أسس طرح هذه التجربة، أملاً في جيل صحي وسليم لأطفالنا.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 5
1
ام سيد هاشم
[ القطيف ]: 10 / 9 / 2013م - 7:34 ص
جميل المقال نداء
بالفعل لابد من توضيح معنى الفقد للطفل قبل وقوعه بطريقه غير مباشره واعجبني فكره تربيه حيوان او الاعتناء بنبته
اجد ان القليل جدا من يتعامل بطريقه سليمه في افهام الطفل في حال فقد عزيز .
2
ابو محمد فاروق آل حماد
[ تاروت القطيف ]: 11 / 9 / 2013م - 12:14 ص
قرأت مقالكم (كيف يتفهم الأطفال موت الاقرباء) وهو بالفعل مقال جميل ورائع ندعو لك بالتوفيق ونتطلع للمزيد بأذنه تعالى
3
محمد
[ القطيف ]: 11 / 9 / 2013م - 10:14 ص
مقال رائع اخت نداء..
4
حسين الفرج
[ العوامية ]: 11 / 9 / 2013م - 4:57 م
حقا ينبغي معرفة الأسلوب الأنسب تربويا لنقل خبر وفاة الأقارب للصغار ،شكرا للكاتبة على الموضوع الجميل والمتميز ،ونرجو لها دوام الإبداع.
5
عبدالباري الدخيل
[ تاروت ]: 11 / 9 / 2013م - 8:32 م
مقال جميل والتفاتة ممتازة
بالنسبة للفقرة الاخيرة
مما لا شك فيه اننا بحاجة لهذه القصص وهنا انا ادعوا الكاتبة لاخذ زمام المبادرة والعمل على جمع القاصين والنفسيين في جلسة عصف ذهني
وفقكم الله