آخر تحديث: 23 / 11 / 2020م - 10:52 م

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة «43»

عبد العظيم شلي

إن صناع فيلم ”العودة للوطن - 1978“ Coming home برعوا في تجسيد معاناة الجنود العائدين من الحرب المثخنين بالجراح والأوجاع والفواجع، يضمهم مستشفى المحاربين القدامى، الغاص بالمشوهين نفسيا، والمشلولين جسديا، والفاقدين لبعض الأطراف من الأيدي والأرجل، تقاسيم وجوه متعبة وتعابير مرسلة تلعن الحرب وساعات القتال.

دراما تضامنية عن بشر كانوا أصحاء ثم أصبحوا مقعدين خارج الخدمة، يئنون بين الجدران المغلقة، فالوحدة بعيدا عن دفئ العائلة قاتلة، وتسليتهم بين حين وآخر بألعاب ومسابقات لن تعوضهم المآل الذي وصلوا إليه.

أن يدخل المقاتل حرب فلن يكون في مأمن من الموت، أو العيش نصف حي، وإذا نجى فالقدر كتب له عمرا آخر.

الحرب ليست نزهة فآثارها المأساوية تمتد لعقود وأجيال وبغض النظر عمن انتصر وانهزم، دائما حرائق الحروب وقودها الجند والأبرياء، هم الضائعون بعد أن يتصافح زعماء الحرب بالقبلات والأحضان وكأن شيئا لم يكن! من يعوض الأرواح التي انسلت من الحياة؟.

إن تسليط الفيلم الضوء على العائدين من أهوال حرب فيتنام وإبراز ما لاقوه من ويلات ومآسي أمر يستحق التأمل، وهي رسالة لمن زجهم في حرب أتت أكلها بخسران مبين وفرقت شمل العوائل وأقضت مضاجع المسؤولين.

كل هذا الأمر مستحسن ولكن الرؤية العامة للفيلم هي انحياز تجاه الجندي الأمريكي الموقر الذي لم يظفر بالحرب، يا ترى لو كسبها هل ستتغير رؤية المخرج أم سيظل وفيا لبني جلدته بإظهار آلامهم دون الإشارة لفواجع الفيتناميين؟

هو تصوير انحيازي من مخرج لم يلتفت لعذابات الآخرين الذين اكتووا بنار من؟ بنار الذين رقى قلبه لهم ويتباكى من أجل معاناتهم، هل لوحدهم من يتألمون لجراحات ما بعد الحرب، وأين العاطفة الجياشة تجاه المعتدى عليهم أليسوا بشرا!.

ولكأن فيلم ”العودة للوطن“ يقول فلتذهب معاناة من حاربناهم للجحيم، فهم في نظر مدعي الحرية مجرد أعداء!.

وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على عنصرية بحتة وحقد دفين، وخذلان في البعد الإنساني الذي يدعيه الفيلم.

وليس ببعيد عن هذه النظرة الدونية من عقلية المستشار الحربي والمؤرخ العسكري ”د. لويس سورلي“ Lewis Sorley الذي تواجد في حرب فيتنام لوضع الخطط العسكرية، وبعد مرور خمسة عقود قدم محاضرة عام 2014 في ”مركز التعليم والتراث التابع للجيش الأمريكي“ متحدثا عن خسارة حرب فيتنام، عبر عنوان ”ويستمرلاند الجنرال الذي فقد فيتنام“، فقد أطنب المستشار عن قصة سير المعارك كشاهد عيان، مستفيضا في الحديث عن يوميات الحرب ومتغيرات القتال، وقدم قضايا تاريخية منتقدا الجنرال ”ويستمرلاند“ رئيس أركان الجيش واحد قواد الحرب، واصفا إياه بأنه رجل معقد ويصعب فهمه. محاضرة تبرز خبايا الحرب وتعداد أسماء الجنرالات التهائون في غبار المعارك، تمجيد مرتجع لجنود بيادق الحرب الخائضون في لعبة شطرنج متصدعة. ويتضح من عبارات المحاضر الحط من مكانة ”الفوتكونج“ وهي جبهة التحرير الوطني الفيتنامي، ابتعد عن ذكرهم أو التلفظ باسمهم، بل وصفهم بالأعداء، ونبرته متثاقلة في ذكر الجنود الفيتناميين الشماليين، وطوال المحاضرة كلمة تتكرر العدو والعدو، بين جمل متعددة وكثيرة من ضمنها: ”كان الاعتقاد أنه باستطاعتنا قتل ما يكفي من العدو، قلل و“ يستمرولاند ”من قدرة العدو على البقاء، استمر العدو في إرسال المزيد والمزيد من الجنود لتعويض خسائره، كان العدو قادرا على تجهيز قواته بتطور متزايد، عندما بدأ هجوم العدو، بيانات قوات العدو تم التلاعب بها، التقدم في الحد من قوة العدو، بعد ذلك كنا مخطئين لم نفهم أبدا مثابرة العدو واستعدادهم لتحمل هذه الخسائر المروعة“!!

يخال المرء من خلال محاضرته الذي استغرق في إلقائها ساعة ونصف، بأن المعركة لم تزل حية يدير خططها مع عديد الجنرالات الخائبة.

يا أيها المستشار الفطن إن من أسميتهم بالعدو طوال محاضرتك، أذاقوا قواتك المر، ولك أن تطلق عليهم ما تشاء المحصلة بأن من وصفتهم بالعدو صدوا عدوانك واحتلالك الغاشم، ولم يرضخوا لإرادتك، ولم يتنازلوا عن شبر واحد من أرضهم، جاهدوا في سبيل توحيد وطنهم.

حاربوا ببسالة وقاوموا ترسانتك الجبارة، أي منطق يقال وأنت من أتيت إلى أرضهم وحاربتهم في عقر دارهم؟ كل هذا الصلف وغرور القوة لم يفدك في شيء فقد تبدد سرابا عند شعب لا يقهر!

أمن حقك أن تنظر إليهم بعد هذه السنين بنفس خطاب الأمس وتناديهم بالعدو!

لازالت عقلية العدوان تحمل طنين التوصيف كغصة في الحلق.

يا أيها العدو المقاوم، أبعد مرور 50 عاما لازال المعتدي ينظر إليك بذات النظرة القديمة!.

تماما هي ذات عقلية صناع الأفلام المهوسيين بحمل مرايا حروب الأمس المتشظية وكأن العدو لم يزل يتربص بهم خيفة، إنه شبح فيتنام يلاحق مخرجي الدراما الحربية الذين اخرجوا عديدة الأفلام، والأرقام تشير إلى أكثر من ”110“ فيلم سينمائي، بنسبة 80% من الإنتاج أمريكيا.

هذا النسبة من غير حساب الأفلام التلفزيونية والوثائقية وأغاني الحرب المصورة.

إنها حرب مجنونة سميت أمريكيا وعالميا ”بعقدة فيتنام“، وأيضا هي عقدة هوليوود المستدامة، التي لم تكف عن تصوير

حرب فيتنام، إنتاج متلاحق ودراما حربية مستمرة لاتريد أن تتوقف، وآخر أفلام صدرت على النحو التوالي:

1 - Boint man -2018

2 - The Last Full Measure -2019

3 - Da 5 Bloods - 2020

تواريخ متقاربة لأفلام حديثة عن حرب فيتنام القديمة الجديدة، حرب انتهت فعليا سنة 1975، ولكن عند هوليوود لم تزل مشتعلة إنتاج مستمر، فما الغاية من وراء تناول قصص القادة ودور جنرالات الحرب واستذكار لمعارك التي دارت رحاها على أرض فيتنام، هل إعادة حرائق الحرب تعطشا للحرب ذاتها، أم بحثا عن النصر المفقود!

كم تطالعنا عيون الأخبار، بأن المسؤولين الفيتناميين يعثرون بين فترة وأخرى على قنابل أمريكية مدسوسة في التربة وبين الحقول وأحراش الغابات، ويذهب ضحيتها الآلاف من المزارعين والناس الأبرياء.

خرجت أمريكا من فيتنام ولم تخرج، لم يزل شبحها ماثلا والآلام توخز أجساد الساسة ورعاة هوليوود الذين ما ملوا يعيدون معارك دارت رحاها منذ خمسين عاما وأكثر، إيغال في ماذا؟

هل افتتان بإعادة أجواء القتل والانتقام، أم أحياء لجذوة حرب من أجل تطييب النفوس العليلة وتضميد الجراح وجبر الخواطر المهزومة، إنها الدولة العظمى التي لم تشفى بعد من مرض عضال يدعى ”متلازمة فيتنام“.

يقول حسن حداد: ”لقد كانت حرب فيتنام هي ضمير أمريكا السيئ، لذلك سيظل انعكاسها على الأدب والفن يطل علينا من حين إلى الآخر“.

أي ضمير وأي دروس تستفاد وهي لم تزل تشن الحروب الخفية والمعلنة وبشتى الوسائل من ضمنها الحروب الاقتصادية، ما الذي يمنعها عن فعل ذلك؟ طالما العالم المتحضر خانع، والويل الويل لمن ينازعها على سيادة الجيوسياسية الأمكنة!؟

وتبارك كل خطواتها هوليوود الموقرة الخادمة المطيعة بتبريرات مستمرة حفاظا على الأمن القومي ومطاردة مستمرة بشيطنة الآخر تحت شعار ”من ليس معنا فهو ضدنا“، دراما تقف له بالمرصاد انعكاسا لعقلية الساسة واستجابة لعقدة التفوق على كل الأمم. إنها سينما مخاتلة تقدم الفن في أبهى صوره وتغزو عقول العالم بقلب الموازيين والحقائق رأسا على عقب، فتزين الشر خيرا والخير شرا، هي هوليوود في أبهى جنونها كما المحارب الذي أصبح آلة حرب بلا روح يقتل بجنون.